محمود الريماوي
شاعت، في الأيام القليلة الماضية، منذ العشرين من يناير/ كانون الثاني الجاري، تقارير في الفضاء الإعلامي الأردني، حول تقارب أردني إيراني وشيك، وزيارةٍ يستعد مسؤول أردني قريباً القيام بها إلى طهران. وعلى الرغم من أن هذه التقارير لم تستند إلى أي مصدر رسمي أردني، إلا أنها بدت واقعية، نظراً لتزامنها مع أزمةٍ اقتصاديةٍ يعيشها هذا البلد، جعلت التزاماته المالية تجاه دائنيه في العام 2016 تزيد عن نسبة 90% من الناتج الوطني العام. وقد ترافق بث هذه التقارير مع خطبة ألقاها إمام الحضرة الهاشمية الشيخ أحمد هليل في مسجد الحسين في العاصمة عمّان، خاطب فيها مسؤوليدول الخليجبنبرةٍ تجمع بين الانتخاء ونفاد الصبر، من قبيل استخدامه عبارة "بلغ السيل الزبى". وقد أدت خطبة الجمعة هذه إلى إقالة الرجل بعد عقودٍ تمتّع فيها بالحظوة.وتمثل التطور الآخر في حملةٍ قام بها ائتلاف نوري المالكي فيالعراقضدالأردن، على خلفية اتفاقاتٍ أبرمها رئيس الوزراء، هاني الملقي، مع نظيره العراقي،حيدر العبادي، تتضمن، بين ما تتضمنه، تخفيض الجمارك على السلع الأردنية المصدّرة إلى العراق، وبيع الأردن نفطاً عراقياً بأسعار مخفضة. والمالكي شديد القرب من طهران، وقد دأب على شن حملات على الأردن، وحملته أخيراً قابلة للفهم على أنها تحمل رسالةً ضمنية، مفادها بأن التعاون الاقتصادي الأردني العراقي يمرّ من طهران، ويُعيد بعضهم إلى الأذهان زيارة رئيس المجلس الأعلى العراقي، عمار الحكيم، عمّان ولقاءه الملك عبدالله الثاني في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ثم زيارة الحكيم، بعد فترة وجيزة، طهران، للتدليل على أن هناك تمهيدات للتقريب بين عمّان وطهران.
وفي المشهد الأوسع، فإن نجاح انعقاد مؤتمر أستانة، برعاية إيرانيةتركيةإلى جانب روسيا، ثم تنامي العلاقات الأردنية الروسية، وقيام الملك عبدالله الثاني بزيارة موسكو تلبية لدعوة من الرئيس فلاديمير بوتين، تمت التهيئة لها بزيارة وزير الخارجية، أيمن الصفدي، موسكو تلبية لدعوة من نظيره الروسي سيرغي لافروف، وقد أظهر هذا التطور أنايرانباتت حاضرةً بشكل لا يمكن إنكاره في المعادلات الإقليمية، إضافة إلى هدوء جبهة الجنوب السوري على الحدود الأردنية، وترقب الترتيبات المنتظرة على الجانب الآخر من الحدود.
قد تؤذن جملة هذه التطورات فعلاً بمقاربةٍ سياسيةٍ جديدة للوضع في الإقليم، ومن ذلك إعادة
لم ينفِ أحد من المسؤولين الأردنيين ما ورد في تقارير إعلامية عن تقارب مع طهران، وذلك حتى الخميس 26 يناير/ كانون الثاني الجاري تاريخ كتابة هذا المقال، ما يمنح مضمون تلك التقارير قدراً من الواقعية، وليس الصدقية بالضرورة. ويُذكر، في هذا المعرض، أن العلاقات الدبلوماسية قائمة بين البلدين، ولكن بغير وجود سفير أردني في طهران، حيث تم سحب السفير عبدالله أبو رمان في العام الماضي، على أثر إحراق السفارة السعودية في طهران، ونشوب أزمة حادة بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء سلطنة عمان). وقبل ذلك، كان وزير الخارجية السابق، ناصر جودة، قد زار طهران في 2015، رداً متأخراً على زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى عمّان في العام 2014، إلا أن العام نفسه شهد زيارة رئيس مجلس النواب الأردني، عاطف الطراونة، طهران، حيث حمل رسالة شفوية من الملك إلى الرئيس حسن روحاني، من دون أن ينعكس ذلك في تحسن ملحوظ على العلاقات. وليس سراً أن علاقات البلدين، مع ذلك، ظلت تتسم بالحذر.. خصوصاً مع تنامي النزعة الإيرانية التدخلية في شؤون المنطقة، وهبوب الرياح المذهبية. ولم يسبق أن شهدت العلاقات انفراجاً ملموساً إلا في سنوات حكم الرئيس الأسبق، محمد خاتمي، حيث زار العاهل الأردني في العام 2003 طهران، إلا أن وصول المتشدّد محمود أحمدي نجاد، في أغسطس/ آب 2005، إلى سدة الرئاسة وبقاءه فيها ولايتين حتى 2013، أوقف نمو العلاقات، وأعادها إلى نقطة الصفر تقريباً.
وفي ظل التطورات التي يشهدها الإقليم، ونظراً لما يتسم به الأردن من نزعةٍ سياسية لاحتواء
في هذه الغضون، لا بد أن الدوائر السياسية العليا تعكف على فحص الخيارات، وتقليب السيناريوهات. وكما قد يشهد عالم السياسة أحياناً ركوداً في الوشائج، وانخفاضاً في التوقعات الإيجابية بين الأشقاء والأصدقاء، من دون أن يثير ذلك استغراب أحد، فإنه يعرف أيضاً، وفي ظرفٍ ما، تجسيراً بين التناقضات، كالذي نشأ في الشهور الأخيرة بين موسكو وأنقرة، وهو نموذج قابلٌ، مبدئياً ونظرياً، للتكرار بين أطرافٍ أخرى في منطقتنا وعالمنا.