لم تكن قضايا المؤسسات الوطنية الكبرى يوماً مجرد أرقام في دفاتر الحسابات، بل كانت دائماً شواهد حية على صراع الإرادات بين المصلحة الوطنية العليا وبين السياسات الإدارية المتخبطة. وفي ملف شركة مناجم الفوسفات الأردنية، يقف المتابع المنصف أمام محطة فارقة تتطلب قراءة دقيقة لا تُخطئها العين: هل كان رئيس مجلس الإدارة الأسبق، المهندس عامر المجالي، ضحية لاستهداف واكتفاء بوضعه في وجه المدفع؟
إن الحقيقة التي تفرض نفسها عند مراجعة تلك المرحلة تشير بوضوح إلى أن الرجل لم يواجه مجرد ظروف اقتصادية ضاغطة، بل تصدى لسياسات وتوجيهات حكومية كبّلت حركة الشركة وحملتها ما لا تطيق. ولعل أبرز الشواهد على ذلك ملف "تلال الجبس" في العقبة؛ ذلك الملف المتراكم منذ سنوات طويلة، والذي فُرض فجأة كأمر واقع ومطلب تعجيزي على إدارته بإزاحته بتكاليف باهظة تُقدّر بالمليارات، في خطوات بدت في جوهرها وكأنها ممارسة تضييقية تُظهر الشركة بمظهر العاجز أو الخاسر، بدلاً من إسنادها وتمكينها من التوسع واستغلال الأراضي والامتيازات المستحقة.
لقد قدم عامر المجالي أنموذجاً للإداري الملتزم بحماية المقدرات الوطنية؛ فبدلاً من الارتهان للضغوط أو التنازل عن مبادئه المؤسسية، اختار المواجهة الإدارية الشريفة عبر المكاتبات الرسمية وإرسال الإشارات المنبهة لخارج المسار الخاطئ. وعندما انسدت أرقام الحلول وأصبح الخيار بين المساس بسلامة الشركة أو الترجل، لم يتردد في تقديم استقالته بشهامة الموقف وحزمة المسلك الوطني.
وما يؤكد حجية هذا الظلم أن القرارات والامتيازات التي حُرمت منها إدارة المجالي وتُعُنّت في منحها إياها، عاد وفُتحت أبوابها وسُهّلت مساراتها في عهود تالية دون أن تُحل عقدة "الجبس" ذاتها التي اتُّخذت ذريعة للتضييق عليه!
إن التاريخ الإداري لا يرحم المحاولات القاصرة لتشويه الحقائق؛ فالمواقف الثابتة لا تزول بزوال المناصب. ويبقى عامر المجالي قامة إدارية ومؤسسية عملت بنظافة يد وحس وطني رفيع، وما تعرض له يُسجَّل في ذاكرة الوطن كنموذج صارخ لكيفية التضحية بالرجالات المخلصين لحسابات ضيقة، ليظل الإنصاف دَيناً مستحقاً في ذمة الحقيقة.
ويبقى الأردن حَريصاً بأهله ومؤسساته تحت ظل الراية الهاشمية المظفرة، يسترشد بالرؤية الحكيمة والتوجيهات السامية لقصم كل بيئة تُعيق البناء، ومضيّاً نحو مستقبل مشرق بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله ورعاه، وسندِهِ وأمينِ نهضته، سمو ولي العهد الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني؛ فهما صمام الأمان والملاذ لكل مخلص يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
حفظ الله الأردن والهاشميين.