وسائل التواصل الاجتماعي تغيّر طريقة تقييم الدماغ للجهد الذهني
توصلت دراسة علمية جديدة إلى أن التأثير الأبرز لوسائل التواصل الاجتماعي قد لا يتمثل في إضعاف القدرات العقلية أو تراجع الانتباه كما يُعتقد على نطاق واسع، وإنما في تغيير الطريقة التي يقيّم بها الدماغ الجهد الذهني.
وتشير الدراسة إلى أن التعرض المستمر للمحتوى الرقمي السريع والمكافآت الفورية قد يجعل المهام التي تتطلب تركيزًا وصبرًا تبدو أقل جاذبية، ليس لأن الإنسان أصبح أقل قدرة على إنجازها، وإنما لأن دماغه أصبح يقيّمها على أنها تتطلب تكلفة أكبر مقارنة بالبدائل الرقمية السهلة.
ونُشرت الدراسة بعنوان "إطار إعادة معايرة الجهد لاستخدام الوسائط الرقمية والإدراك" في دورية Nature Human Behaviour ، وأعدها الباحثون ويسنو ويرادهاني (Wisnu Wiradhany) و دوغلاس باري (Douglas Parry) و يان آرو (Jaan Aru) ، بدعم من مجلس البحوث الإستوني .
الدماغ لا يفقد قدرته على التركيز
يشرح الباحثون أن الدماغ يعمل باستمرار وفق آلية تشبه عملية الموازنة الاقتصادية، إذ يقارن بين الفائدة المتوقعة من أي نشاط وبين مقدار الجهد اللازم لتحقيقها. وعندما توفر المنصات الرقمية محتوى جديدًا بشكل متواصل، إلى جانب التنبيهات والتمرير اللانهائي والتوصيات الشخصية والتفاعل الفوري، فإنها تقدم مكافآت سريعة بتكلفة ذهنية منخفضة للغاية.
ومع تكرار هذا النمط، يبدأ الدماغ في تعديل تقييمه للجهد، لتبدو الأنشطة التي تحتاج إلى وقت وتركيز، مثل قراءة كتاب أو تعلم مهارة جديدة أو كتابة مقال تحليلي، أقل جدوى مقارنة بالمكافآت الرقمية الفورية، رغم أن القدرة العقلية اللازمة لإنجازها لم تتغير.
ويؤكد الباحثون أن المشكلة ليست في تراجع الانتباه نفسه، وإنما في تغير طريقة اتخاذ القرار بشأن أين يستحق بذل الجهد الذهني.
الاستكشاف يطغى على التعلم العميق
تبني الدراسة إطارها النظري على التمييز بين نمطين من التعلم. الأول هو الاستكشاف ، ويعني التنقل المستمر بين مصادر المعلومات والبحث عن الجديد من خلال التصفح والضغط على الروابط ومشاهدة المحتوى القصير.
أما الثاني فهو الاستثمار، أي الاستمرار في مهمة واحدة لفترة كافية لاكتساب معرفة أو مهارة حقيقية، مثل دراسة فصل دراسي، أو ممارسة آلة موسيقية، أو حل مشكلة معقدة، أو كتابة نص متكامل.
ويرى الباحثون أن كلا النمطين ضروري، لكن المنصات الرقمية جعلت الاستكشاف أسرع وأسهل وأكثر إغراءً، في حين تتطلب عملية الاستثمار وقتًا وجهدًا قبل ظهور نتائجها.
ومع التعرض المستمر للمحتوى السريع، قد يصبح المستخدم أكثر ميلًا إلى الانتقال بين المهام والبحث عن الجديد، بدلًا من الاستمرار في نشاط يحتاج إلى صبر لتحقيق فائدة طويلة الأمد.
تفسير جديد لتضارب الدراسات السابقة
تقدم الدراسة تفسيرًا لسبب اختلاف نتائج الدراسات التي بحثت تأثير استخدام الشاشات على التركيز. ففي البيئات المخبرية، يستطيع المشاركون عادةً أداء اختبارات الانتباه والتركيز بكفاءة عندما تكون المهمة محددة ولها هدف واضح، وهو ما يدل على أن قدراتهم المعرفية الأساسية ما تزال سليمة.
لكن في الحياة اليومية، حيث تتوافر بدائل رقمية سهلة ومجزية باستمرار، تختلف القرارات التي يتخذها الأشخاص بشأن كيفية استثمار وقتهم وجهدهم.
وبحسب الباحثين، فإن المشكلة تظهر في اختيار الأنشطة وليس في القدرة على تنفيذها؛ فالدماغ لا يعجز عن التركيز، لكنه يصبح أكثر ميلًا إلى اختيار الطريق الذي يتطلب جهدًا أقل ويحقق مكافأة أسرع.
دعوة لإعادة تصميم البيئات الرقمية
يقترح الباحثون نموذجًا علميًا يمكن اختباره تجريبيًا، يقوم على دراسة العلاقة بين المكافأة المتوقعة وتكلفة الجهد الذهني. ويشيرون إلى أن التعرض المتكرر للمكافآت الرقمية منخفضة الجهد قد يزيد الإحساس الذاتي بصعوبة المهام المعرفية، ويخفض مستوى المثابرة، ويزيد احتمالات الانتقال من مهمة إلى أخرى قبل إنجازها.
كما يؤكد الباحثون أن الدراسة لا تدعو إلى اعتبار الهواتف الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي ضارة بطبيعتها، إذ يمكن استخدامها للتعلم وقراءة المقالات الطويلة واكتساب المهارات.
ويرون أن القضية الأساسية تكمن في تصميم التطبيقات والمنصات الرقمية، داعين إلى تطوير بيئات رقمية تشجع على التركيز طويل الأمد، وتكافئ الاستمرار في المهام، بدلًا من تعزيز الانتقال السريع والمستمر بين المحتويات.
كما يدعون إلى إجراء دراسات مستقبلية لتحديد الفئات الأكثر تأثرًا بهذه الظاهرة، وقياس مدى إمكانية عكس آثارها من خلال تغيير تصميم المنصات الرقمية.