ثمة تناقض واضح بين التصريحات الصادرة من جنيف، خاصة من إيران، وبين الأجواء السائدة في إسرائيل. بعد اختتام الجولة الثانية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران أمس بشأن اتفاق نووي جديد بين الطرفين، سعت إيران إلى تصوير مجريات الأحداث بصورة متفائلة. في المقابل، واضح أن القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية في إسرائيل – التي نادراً ما تتناول الأزمة والمفاوضات علناً – تكثفان الاستعداد لسيناريو أكثر خطورة قد تندلع فيه حرب بين الطرفين، ربما تشمل إسرائيل أيضاً.
لقد وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الممثل الإيراني الأعلى في المفاوضات، اللقاء مع الأمريكيين في سفارة سلطنة عمان، واللقاء الذي سبقه مع رفائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية، بأنها "لقاءات جدية جدا”، وأكد أن الأجواء كانت "بناءة أكثر”، وأن الطرفين تمكنا من المضي قدماً والاتفاق على مبادئ توجيهية تمهد الطريق لصياغة اتفاق مشترك. وأضاف عراقجي: "هذا لن يحدث بالضرورة بسرعة، لكن على الأقل بدأنا في المسار”.
بقي أن نرى ماذا سيكون الرد الأمريكي المفصل على هذه الأقوال. الواضح أن إيران تحاول خلق انطباع بأن لهذه المحادثات ما بعدها، وأنه لا سبب لمواجهة عسكرية بينها وبين الولايات المتحدة. هذا يتساوق مع مصالح نظام طهران الاستراتيجية: تمديد المحادثات بقدر الإمكان، وبذلك تأخير تهديد الهجوم، ثم إزالته كلياً.
الوقت الذي ستكسبه إيران يمكن استغلاله من أجل استمرار قمع الاحتجاج ضد النظام. في حين أن اتفاقاً نووياً جديداً قد يؤدي إلى رفع جزء من العقوبات الدولية على النظام، ما سيفضي إلى تعاف اقتصادي جزئي أو كامل. الأزمة الاقتصادية الشديدة كانت المحرك الأساسي للمظاهرات والاضطرابات الواسعة التي اندلعت في الدولة كلها في نهاية كانون الأول 2025.
مع ذلك، ما زالت إسرائيل متشككة جداً بشأن فرصة التوصل إلى اتفاق بين أمريكا وإيران. فحكومة نتنياهو لا ترغب في هذا الاتفاق، وتعتقد أنه سيساعد نظام طهران على البقاء، في الوقت الذي سنحت فيه فرصة فريدة للإطاحة به بعد 47 سنة. ونظراً لاحتمالية فشل المحادثات، وقرار ترامب شن هجوم، فقد كثف الجيش الإسرائيلي استعداده للدفاع ضد أي هجوم إيراني انتقامي، والانضمام إلى تحرك أمريكي إذا كانت حاجة لذلك.
تجري هذه التطورات بالتوازي مع استمرار تعزيز القدرة العسكرية الأمريكية. ومن المقرر وصول حاملة الطائرات فور إلى المنطقة في نهاية الشهر، لتكتمل بذلك عملية نشر قوات بحرية كبيرة نسبياً تحمل مئات الطائرات القتالية، إضافة إلى القاذفات الاستراتيجية الأمريكية التي يمكنها مهاجمة إيران حتى من مسافة بعيدة. وستنتظر دول المنطقة، مثل كل المجتمع الدولي، اتضاح الصورة. ربما سيحدث ذلك بعد تصريحات ترامب اليومية، الذي لا يبخل بها كعادته، ولكن من غير الواضح دائما إلى أين يتجه من خلالها. إذا قرر الرئيس أن يأمر بهجوم، يجب الانتباه أيضاً إلى قيود الجدول الزمني. أولاً، شهر رمضان بدأ اليوم، وهو وقت غير مناسب لبدء صراع كبير مع دولة مسلمة، بسبب ما قد يترتب على ذلك من ردود فعل شعبية في بعض دول المنطقة. ثانياً، يعقد ترامب الاجتماع الأول للمجلس الجديد الذي أنشأه، مجلس السلام، في واشنطن غداً. ويهدف المجلس إلى تسريع تنفيذ ما يعتبره ترامب إنجازاً كبيراً ورؤية استراتيجية واسعة النطاق، وهي إنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس. ومن ثم، البدء في إعادة إعمار قطاع غزة. وإذا قرر شن هجوم في وقت مبكر فإنه يخاطر بإفشال الاجتماع.
في خضم هذه الأحداث، يقترب موعد آخر – الذكرى الأربعون للمجزرة التي يحيي فيها المسلمون نهاية فترة الحداد على الضحايا. ففي ليلة 8 – 9 كانون الثاني ارتكب النظام في إيران مجزرة بحق عدد كبير من المتظاهرين الذين سقطوا في موجة الاحتجاجات. لم يحدد العدد الدقيق للقتلى في تلك الليلة وطوال تلك الفترة، لكن معروف أنهم بالآلاف. وقد يتم أخذ ذلك في الحسبان عند التخطيط لهجوم أمريكي، هذا إذا تقرر. مع ذلك، يبقى مشكوكاً فيه إذا كان لدى المخططين في البنتاغون جواب على السؤال المحوري الذي بقي معلقاً منذ أن قرر ترامب تأجيل الهجوم الذي كان ينوي إطلاقه في 14 كانون الثاني: كيف يمكن إسقاط النظام بعد قمع معظم المظاهرات، وبدون أن تلتزم الولايات المتحدة بحملة عسكرية طويلة تشمل استخدام القوات البرية؟