الشريط الإعلامي

تدريس "التربية الجنسية" في مصر يثير حالة من الجدل

آخر تحديث: 2022-09-19، 09:56 am
أخبار البلد - عكست الهجمة التي تعرضت لها وزارة التربية والتعليم المصرية من جانب أصوات دينية ومجتمعية بعد موافقتها أخيرا على تدريس "مفاهيم التربية الجنسية” في المدارس إلى أي درجة صار صوت الفقيه المتطرف فكريا أعلى من صوت العالم المدني، وما ترتب عليه من استمرار النظر إلى قضية الثقافة الجنسية باعتبارها من المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها ولو من باب العلم والفهم.

ورغم المبرّرات التي ساقتها المؤسسات التعليمية كون الهدف من وراء تدريس التربية الجنسية هو حماية الأجيال الناشئة من السلوكيات التي تسوّق لها منصات رقمية دولية، مثل منصة "ديزني”، تتعارض مع القيم المجتمعية المحلية، إلا أن القرار أثار حفيظة بعض رجال الدين والمنتمين إلى التيار السلفي على وجه الخصوص، حيث اتهموا وزارة التعليم بأنها تشعل غرائز الصغار والمراهقين وتقودهم إلى الانحراف والشذوذ الجنسي.

وادعت أصوات متشددة مناوئة للقرار أن الإسلام حرّم الخوض في الموضوعات الجنسية التي تثير الفتن، وتحرض على الفسق والفجور، لأنها تجعل الصغار يركزون اهتمامهم على موضوعات بعيدة عن عقولهم دون إدراك لكون التربية الجنسية في المدارس سبيل جيّد لتثقيف المراهقين والشباب على إقامة علاقات متزنة وسليمة في المستقبل تحصنهم من الاعتداء الجنسي وتحول دون تحولهم إلى ذئاب بشرية.

ويوحي الرفض الديني لتدريس التربية الجنسية في المؤسسات التعليمية بأن المتشددين بشكل عام يتمسكون بالوصاية الفكرية على المجتمع، ويدمنون التأثير على الناس من بوابة الحلال والحرام ويخترعون نصوصا فقهية لتمرير وجهات نظرهم تحت مبرّرات واهية، مثل الكف عن نشر الانحلال الأخلاقي والقيمي، على أمل الضغط على أي صانع قرار يرغب في اختراق حاجز المحرمات لنشر الوعي الجنسي.

ولا تزال أزمة بعض رجال الدين والشيوخ في المجتمعات الشرقية المحافظة أنهم يختزلون الحديث عن الجنس في فكرة المعاشرة والتكاثر، لذلك لا يعنيهم أن تكون هناك ثقافة جنسية من عدمه، فالمهم أن يعرف الرجل كيف يمارس العلاقة مع زوجته، أما باقي الفئات فمن العيب أن تفهم وتدرك طبيعة جسدها، ومكوناتها الفسيولوجية والبيولوجية، وكيف تتعامل مع فترات النضج الجسدي والنمو، ولو بأساليب تأخذ بعين الاعتبار الجانب القيمي والاجتماعي والأخلاقي حول القضية.

في المقابل، يرى أنصار الفريق المؤيد لإبعاد الأمر عن أي تدخل ديني في مسألة التربية الجنسية أن التثقيف المراقب في المؤسسات التعليمية أهم وأنفع من المعلومات التي يبحث عنها الأطفال والمراهقون وقد يحصلون عليها بطرق خاطئة من وسائل التواصل الاجتماعي، فالموضوعات التي تغلفها هالات التحريم والصبغة الدينية باتت مرتعا خصبا للادعاءات والتخويف والترهيب بسبب العرف المجتمعي الذي يتعامل مع مثل هذه القضايا كأنها من المحرمات، وربما الفضائح الأخلاقية.

ويعتقد هؤلاء أن تحرك وزارة التعليم المصرية لإدراج مفاهيم التربية الجنسية في المناهج الدراسية يعكس شجاعة استثنائية من الحكومة للدخول في مواجهة التيارات الدينية والفكرية المتشددة التي ظلت تتجنب مبارزتها لسنوات طويلة، تحديدا في مسألة الثقافة الجنسية، لأن الخوف من مواجهة هذه العقليات يجلب المزيد من المخاطر الفكرية والمجتمعية ويجعل الأجيال الجديدة تدمن نفس الأفكار.

وطالما اختزل إسلاميون متشددون ومن على شاكلتهم من مدّعي المحرمات المجتمعية الثقافة الجنسية في الفراش، سيكون من الصعب على أي مجتمع أن يربي أجياله على كيفية الحفاظ على الأعضاء الجنسية حماية لهم من التحرشات وغيرها من الآفات الاجتماعية، خاصة بعد انتشار وقائع اغتصاب وتحرش عنيف، وهي قضايا لا يكل بعض رجال الدين عن منحها مبررات واهية، مثل الملابس الفاضحة للمرأة.

ووفق خطة وزارة التعليم المصرية، فإن تدريس مفاهيم التربية الجنسية أبعد ما يكون عن التطرق إلى قضايا مثيرة، وتتضمن دروسا بسيطة تتناسب مع عقلية الصغار والمراهقين وفق مراحلهم العمرية المختلفة، حيث تحوي شروحات حول مقدمات البلوغ وماذا يحدث للشاب أو الفتاة خلال هذه الفترة، وكيف يحافظ كل واحد منهما على نفسه جنسيا، حتى لا يكون ضحية للتحرش، وبأي طريقة يحافظ على جسده وأعضائه.

وتشير بعض الدراسات الاجتماعية إلى أن الجانب الأخطر يتمثل في أن الأبناء من الجنسين، إذا استمرت نظرتهم مشوهة للثقافة الجنسية، فإنهم قد يكونون مدفوعين إلى محاولة الحصول على تلك المعرفة من خلال الأفلام الإباحية ومواقع الإنترنت، إضافة إلى المعلومات القاصرة التي يتداولها رفاق الدراسة لتزيد خطورة الكارثة بشكل يهدد سلامة الأسر والمجتمع بأكمله.

ورأى جمال فرويز استشاري الطب النفسي وتقويم السلوك بالقاهرة أن تدريس التربية الجنسية لا يجب أن يظل أسيرا لرؤى دينية منغلقة على ثقافة العيب والحرام، لأن الانفجار الإلكتروني يتيح للمراهقين الوصول إلى ثقافات جنسية دخيلة على المجتمع.

وأضاف، أن المتشددين نجحوا في تكريس خوف المجتمع من الاقتراب من مسألة الثقافة الجنسية وأقنعوا أتباعهم بأنها قضية حساسة، مجرد التطرق إليها سيكون دعوة صريحة للانحلال الأخلاقي، مع أن تدريسها مرتبط بالوقاية والصحة الجنسية والسعادة الحياتية في المستقبل، لافتا إلى أن ربط الثقافة الجنسية بالتحرر والحلال والحرام يكرس الحظر الذي يقود إلى مزيد من التثقيف السري.

ويظل التحدي الأكبر أمام أي حكومة تسعى لاستبدال الإباحية بالتربية الجنسية هو إقناع الشريحة المحافظة بأنها تحاول الإصلاح، والأهم أن تكون جريئة ولديها إرادة سياسية في الوقوف بوجه الهجمة المحملة بغطاء صور الخطوة على أنها دعوة للتحرر الجنسي.

وتشير الهجمة السلفية ضد الأصوات الداعمة لتدريس الثقافة الجنسية إلى أن هناك ازدواجية واضحة في بعض المجتمعات التي لم تستطع بعد معالجة الخلل الفكري الذي كرسته التيارات الإسلامية في أذهان الناس، ففي مصر يتظاهر البعض بالتدين الشديد، وتبدو العقول منشغلة بقضايا الجنس وهو ما يتبيّن في معدلات تصفح المواقع الإباحية.

تحرك وزارة التعليم المصرية لتدريس التربية الجنسية يعكس شجاعة استثنائية من الحكومة للدخول في مواجهة التيارات المتشددة

وما يلفت الانتباه أن أغلب الأصوات الدينية الرافضة لفكرة التثقيف بالنواحي الجنسية هي نفسها التي لا تكف عن إصدار فتاوى جنسية، فتتحدث عن العلاقة الزوجية والمباح والممنوع فيها، ومتى يحق للرجل أن يجامع شريكته، وبأي طريقة يستمتع بها، أي أنهم يعطون أنفسهم الحق في التحدث عن هذه القضية دون غيرهم، أما لو تجرأت أصوات أخرى على التطرق في هذا الموضوع، ولو من باب العلم، يبارزونه باعتباره أدى بفعل فاضح في الطريق العام.

وقال عادل بركات الباحث المتخصص في القضايا الاجتماعية والمحاضر في التنمية البشرية بالقاهرة إن المتشدد دينيا لا يستهويه أن يكون الناس مثقفون جنسيا، لأن ذلك يتعارض مع نهج السيطرة على المجتمع من بوابة الجهل والأمية، فتراهم ينشرون أفكارا رجعية، مثل مزايا ختان الإناث والزواج المبكر وزواج التعدد، وبالتالي يتعاملون مع أي علم يستهدف تثقيف الناس كأن ذلك يدمر مشروعهم الفكري.

ولفت في تصريحات صحفية إلى أن العبرة في نشر الانفتاح الثقافي على تدريس القضايا المرتبطة بالنواحي الجنسية أن يقتنع الناس في أي مجتمع شرقي بأنها جزء من العلم، وتدريس الجهاز التناسلي مثل تدريس الجهاز الهضمي، ولا علاقة لذلك بأي شكل مما يروج له بعض رجال الدين من كون هذه الملفات تمهد للانسلاخ عن الثقافة الإسلامية.

وذكر عادل بركات أن العديد من كتب الفقه الإسلامي تحدثت عن إدارة العلاقة بين الزوجين، أي أن الإسلام لم يكرس الجهل أو يمنع الثقافة الجنسية ودعا إلى نشر المعرفة والتعلم دون أن يحدد شروطا شرعية، واستمرار المحظورات الدينية حول هذه القضية يكرس تقبل الناس للفتاوى المتشددة المرتبطة بالجنس لمجرد أنها صادرة عن رجل دين.

وبغض النظر عن استمرار شجاعة الحكومة في مصر لنشر الثقافة الجنسية بين طلابها في المؤسسات التعليمية من عدمه، فالأهم أن تتحلّى المؤسسة الدينية بشجاعة وتبادر إلى تدريس نفس المفاهيم في معاهدها الأزهرية لإسكات صوت التشدد، وإقناع المجتمع بأن العلم لم يحرّم التطرق إلى هذه المسألة. فالعبرة ليست في التنفيذ، لكن في تصدير خطاب تنويري يزيل الأفكار الرجعية من عقول فئات متشددة تجاه ما يرتبط بالجنس.