الشريط الإعلامي

في ذكرى 11 سبتمبر: هجوم بمسيّرة لن يغير حقائق الخلل الإستراتيجي

آخر تحديث: 2022-09-13، 09:57 am
أخبار البلد - في تعليقهما على ذكرى 11 سبتمبر كتب كل من إتش آر ماكماستر الزميل في معهد هوفر بجامعة ستانفورد والمستشار السابق للأمن القومي الأميركي، وبرادلي بومان المدير الأول لمركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في مجلة "فورين بوليسي” متساءلين عن السذاجة الأميركية التي تظهرها إدارة الرئيس جو بايدن في التعامل مع ملف القاعدة وملف طالبان والأمن القومي الذي يخيّل إلى الرئيس الأميركي أن بوسع طائرة مسيّرة المحافظة عليه.

ويترافع بعض الداعمين لإدارة بايدن دفاعاً عن إستراتيجيتها في تلك المنطقة من العالم، زاعمين أن واشنطن إنما تريد التركيز على نقاط توتر أخرى تستوجب الالتفات إليها أكثر في هذه المرحلة. لكن هذا لا يعفي هذه الإدارة من الاعتراف بأن التهديد لا يزال قائماً، وأنها إنما تقامر بإهمال السيطرة على هذا الملف، فماذا لو فشلت حساباتها وتكررت المأساة التي وقعت قبل أكثر من عشرين سنة؟

بايدن يحتفل بانتصاره على الظواهري، ولا يتوقف عند السؤال: لماذا انتقل الأخير إلى كابول بعد انسحاب أميركا منها؟

زلزال ضرب العالم
صبيحة ذلك اليوم انهارت أسواق الأسهم العالمية، وسجّلت الخسائر المباشرة لارتطام الطائرتين بالبرجين فقدان أكثر من 40 مليار دولار من أموال التأمين وحدها، وتم إغلاق بورصة نيويورك ونزداك وكافة البنوك في الولايات المتحدة، ثم أعقبتها بورصة لندن في مشهد لم يتكرر منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين. وخسر نحو نصف مليون مواطن أميركي وظائفهم خلال ساعات، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي لنيويورك بمقدار 30.3 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2001 وطوال عام 2002.

وارتفع سعر النفط والغاز والذهب، وانخفضت قيمة الدولار، وهبطت الأسهم في أسواق أميركا اللاتينية ثم تلتها أسواق أوروبا، بنسب قياسية. وتوقفت الرحلات الجوية والسياحة وتغيرت نظم الأمن في كافة أنحاء العالم.

ورغم فداحة تلك الخسائر، إلا أن ذلك النهار كان نقطة البداية لشن الولايات المتحدة حروبها ضد أفغانستان والعراق، في حربين كلفتا الخزينة الأميركية قرابة 6 تريليونات دولار.

إستراتيجية الفائدة والمخاطر
خسائر تسبب فيها هجوم 11 سبتمبر
2977 ضحية سقطت جراء الهجوم
274 مليار دولار الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالولايات المتحدة في يوم واحد
123 مليار دولار الخسائر الاقتصادية خلال الأسابيع الأولى
6 تريليونات دولار كلفة الحروب الانتقامية التي شنتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان والعراق
4487 عنصرا من الجيش الأميركي قتلوا في العراق
654965 عراقيّا فقدوا أرواحهم جراء الغزو الأميركي لبلادهم، إضافة إلى عشرات الآلاف الذين دفنوا دون إعلام السلطات وفقاً للاندبندنت البريطانية
2448 عنصرا من الجيش الأميركي قتلوا في أفغانستان
3846 من الأميركيين المتعاقدين مع الجيش الأميركي قتلوا في أفغانستان.
20660 جندياً أميركيّا أصيبوا في العمليات العسكرية في ذلك البلد
111 ألف مدني أفغاني لقوا حتفهم بسبب الحرب
بدا الرئيس بايدن في مثل هذه الأيام من العام الماضي بعيداً كل البعد عن فهم تلك المخاطر، حين تساءل عن "الفائدة التي ستجنيها واشنطن من أفغانستان في هذه المرحلة بعد رحيل القاعدة”. كان يدافع عن الانسحاب الدرامي الذي سجلت الكاميرات فيه تساقط الأفغان من طائرات الجيش الأميركي، كما سوف تسجل تقدّم طالبان وسيطرتها على أفغانستان شبراً شبرا.

يباهي بايدن بأنه تمكن من القضاء على القاعدة، ويحاجج بأن الهدف من غزو ذلك البلد في آسيا والقريب من كافة التحديات التي تزعم واشنطن أن لها أولوية حالياً، قد تحقق، معتبراً أن المهمة انتهت.

وتعتبر مجلة "لونغ وور جورنال” التابعة لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن مثل هذه التصريحات ليست دقيقة، وأنها تجانب المعلومات الموثقة وتبتعد عنها كثيرا؛ فطالبان لا يمكن بأي شكل من الأشكال فصلها عن القاعدة التنظيم الإرهابي الذي منحته ملاذا آمنا للتخطيط للهجمات، واستمرت علاقة الطرفين وثيقة طيلة الوقت بشكل بنيوي. ويؤكد فريق مراقبة تابع للأمم المتحدة، في تقييم صدر في أبريل 2021، أن "طالبان والقاعدة لا يزالان متحالفين بشكل وثيق ولا يظهران أي مؤشر على قطع العلاقات”.

إذاً، والحال هكذا، كيف يمكن النظر إلى الطريقة التي يرى بها البيت الأبيض المخاطر المحدقة بالولايات المتحدة وبالعالم قاطبه؟

انتصارات لا تغيّر شيئاً
يحتفل بايدن بانتصاره على زعيم القاعدة أيمن الظواهري في يوليو الماضي، عبر هجمة نفذتها طائرة مسيرة في كابول. ولا يتوقف عند السؤال الجوهري الذي يطرحه الأميركيون عن ذلك الانتصار: كيف ولماذا انتقل الظواهري إلى العاصمة الأفغانية بعد انسحاب القوات الأميركية، في حين أنه كان من الممكن أن يبقى حيث كان أو ينتقل إلى مكان آخر؟ ومن هم أعضاء القاعدة الآخرون الذين انتقلوا إلى أفغانستان بعد انسحاب أميركا؟ وماذا كانوا يفعلون هناك؟ وهل انتهت القصة عند هذا الحد؟

امتلك الكاتبان الجرأة الممزوجة بالحنق على أداء البيت الأبيض ليقولا صراحة إنه "لا ينبغي أن يكون البيت الأبيض أحمق إلى هذه الدرجة ليعتقد أن ضربة واحدة في السنة كافية لحرمان القاعدة من المساحة التي تحتاجها للتخطيط لهجمات وشنها ضد الولايات المتحدة وحلفائها”.

بل إن انتقادهما يتجاوز الإدارة الديمقراطية الحالية ليشمل الحزبين معاً، الديمقراطي والجمهوري، معتبرين أنهما لم يتخليا عن "عادة خداع الذات”، وسيكون مثيراً ومهماً للقارئ في العالم العربي أن يجد ما كان يقوله في شوارع بغداد ودمشق والقاهرة عن العقلية التي اتخذ بها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن ومعه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قرار شن الحرب، بناء على "تخيلات” قالها القادة الأميركيون لأنفسهم بدلا من التقييمات الموضوعية للأعداء والخصوم والوضع على الأرض والإجراءات اللازمة لتأمين مصالح واشنطن. وقد أدى هذا الخداع الذاتي إلى "هزيمة الذات”.

باراك أوباما كان مثالاً للتعبير عن الوهم وخداع الذات حين أعلن سنة 2009 في الأكاديمية العسكرية الأميركية عن إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، مضيفاً قوله إنه "بعد 18 شهرا ستشرع قواتنا في العودة إلى الوطن”، وإن تلك القوات يجب ألا تبقى عرضة للأذى ليوم أكثر مما تتطلبه مصالح البلاد. فإلى من كان يوجّه أوباما رسالته تلك؟ إلى خصوم الولايات المتحدة؟ أم أن ذلك كان لأغراض لا تقارب هذا التحدي بأي شكل من الأشكال؟

ثم جاءت صفقة إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2020 مع طالبان والتنازلات اللاحقة التي منحتها واشنطن للجماعة التي تصنفها إرهابية، وكان أكثر المتضررين منها حلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان وغيرها.

ولا يفهم أحد، قبل أن يجد مبرراً أو تفسيراً مقنعاً، كيف تتفاوض واشنطن مع أعداء حلفائها في غياب الأخيرين؟ ثم كيف تجبرهم على إطلاق سراح الآلاف من الإرهابيين المعتقلين، وتقوم بتقليص الدعم الاستخباراتي، وتنهي المطاردة النشطة لطالبان، ثم تسحب الدعم الجوي القريب من القوات الأفغانية، وتوقف دعم المتعهدين للقوات
الأفغانية؟

ما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان، منبع الخطر الذي تسبب في أحدث 11 سبتمبر، لم يكن سوى تشجيع لأعداء الولايات المتحدة، ونزع للثقة بينها وبين الحلفاء، إضافة إلى إطلاقها العنان للفساد وهلهلة مؤسسات الدولة.

الولايات المتحدة شجعت أعداءها في أفغانستان ونزعت ثقة حلفائها بها
الولايات المتحدة شجعت أعداءها في أفغانستان وبددت ثقة حلفائها بها
العراق نموذج ساطع
لم تتعلم الولايات المتحدة شيئاً من درس الانسحاب من العراق؛ فما إن غادرت هذا البلد حتى عادت القاعدة ثم ظهر تنظيم داعش الذي سيطر خلال ثلاث سنوات تلت ذلك الانسحاب على مساحات شاسعة من أراضي العراق وسوريا.

صحيح أن قوة صغيرة على الأرض، مع دعم جوي شاركت به أكثر من سبعين دولة، بالإضافة إلى وكلاء كلفتهم الولايات المتحدة بالمهمة، تمكنوا من القضاء على داعش، إلا أن أميركا سمحت لطالبان والقاعدة الآن بإعادة تأسيس إمارة في أفغانستان.

ويعود السؤال من جديد: ماذا لو فشلت حسابات الولايات المتحدة في التعامل مع طالبان والقاعدة؟ ستعود الهجمات الإرهابية من جديد، ليس في مناطق العالم المختلفة التي شهدت صعوداً وانتشاراً كبيراً للتنظيمات الإرهابية بالقياس إلى ما كانت عليه في لحظة 11 سبتمبر وحسب، بل داخل الولايات المتحدة نفسها.

حين يحدث ذلك يجب أن تتوقع واشنطن المزيد من الهزائم الذاتية عند مواجهة أعداء آخرين مثل بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران. وهذا آت على الطريق في ظل إصرار إدارة بايدن على اتفاق نووي جديد مع الإيرانيين؛ حيث يتظاهر الطرفان، الولايات المتحدة من جهة ونظام قائم على أيديولوجيا واضحة المعالم لا تخفي عدوانيتها وشراستها في طهران من جهة ثانية، بأنهما يمكن أن يتوصلا إلى نقطة اتفاق سلمية، في حين يستمر الحرس الثوري في زرع العنف عبر أذرعه وميليشياته ويواصل تعزيز برنامجه النووي كل يوم.

لن يجد الأميركيون في ذكرى هذا الحدث الدامي أفضل من مساءلة قياداتهم في واشنطن، ودفعهم للاعتراف بأنهم حولوا خصومهم إلى حلفاء، وأضعفوا حلفاءهم، وزعزعوا استقرار مناطق عديدة في العالم بذريعة محاربة الإرهاب الذي باتت له دول ومؤسسات بدلاً من شراذم كان يمكن التعامل معها لو أن الأميركيين لم يخدعوا العالم لأسباب تتعلق ببراغماتيتهم ومصالحهم غير المعلنة.

وإذا لم يحدث هذا يتوقع خبراء من طراز ماكماستر وبومان المزيد من الكوارث في القريب العاجل، والتي قد تجعل من أحداث 11 سبتمبر مجرد حفلة صغيرة قياساً بما يمكن أن يحدث.

المزيد من الهزائم الذاتية يجب أن تتوقعه واشنطن عند مواجهة أعداء آخرين مثل بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران
المزيد من الهزائم الذاتية يجب أن تتوقعه واشنطن عند مواجهة أعداء آخرين مثل بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران

في تعليقهما على ذكرى 11 سبتمبر كتب كل من إتش آر ماكماستر الزميل في معهد هوفر بجامعة ستانفورد والمستشار السابق للأمن القومي الأميركي، وبرادلي بومان المدير الأول لمركز القوة العسكرية والسياسية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في مجلة "فورين بوليسي” متساءلين عن السذاجة الأميركية التي تظهرها إدارة الرئيس جو بايدن في التعامل مع ملف القاعدة وملف طالبان والأمن القومي الذي يخيّل إلى الرئيس الأميركي أن بوسع طائرة مسيّرة المحافظة عليه.

ويترافع بعض الداعمين لإدارة بايدن دفاعاً عن إستراتيجيتها في تلك المنطقة من العالم، زاعمين أن واشنطن إنما تريد التركيز على نقاط توتر أخرى تستوجب الالتفات إليها أكثر في هذه المرحلة. لكن هذا لا يعفي هذه الإدارة من الاعتراف بأن التهديد لا يزال قائماً، وأنها إنما تقامر بإهمال السيطرة على هذا الملف، فماذا لو فشلت حساباتها وتكررت المأساة التي وقعت قبل أكثر من عشرين سنة؟

بايدن يحتفل بانتصاره على الظواهري، ولا يتوقف عند السؤال: لماذا انتقل الأخير إلى كابول بعد انسحاب أميركا منها؟

زلزال ضرب العالم

صبيحة ذلك اليوم انهارت أسواق الأسهم العالمية، وسجّلت الخسائر المباشرة لارتطام الطائرتين بالبرجين فقدان أكثر من 40 مليار دولار من أموال التأمين وحدها، وتم إغلاق بورصة نيويورك ونزداك وكافة البنوك في الولايات المتحدة، ثم أعقبتها بورصة لندن في مشهد لم يتكرر منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين. وخسر نحو نصف مليون مواطن أميركي وظائفهم خلال ساعات، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي لنيويورك بمقدار 30.3 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2001 وطوال عام 2002.

وارتفع سعر النفط والغاز والذهب، وانخفضت قيمة الدولار، وهبطت الأسهم في أسواق أميركا اللاتينية ثم تلتها أسواق أوروبا، بنسب قياسية. وتوقفت الرحلات الجوية والسياحة وتغيرت نظم الأمن في كافة أنحاء العالم.

ورغم فداحة تلك الخسائر، إلا أن ذلك النهار كان نقطة البداية لشن الولايات المتحدة حروبها ضد أفغانستان والعراق، في حربين كلفتا الخزينة الأميركية قرابة 6 تريليونات دولار.

إستراتيجية الفائدة والمخاطر

خسائر تسبب فيها هجوم 11 سبتمبر

  • 2977 ضحية سقطت جراء الهجوم
  • 274 مليار دولار الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالولايات المتحدة في يوم واحد
  • 123 مليار دولار الخسائر الاقتصادية خلال الأسابيع الأولى
  • 6 تريليونات دولار كلفة الحروب الانتقامية التي شنتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان والعراق
  • 4487 عنصرا من الجيش الأميركي قتلوا في العراق
  • 654965 عراقيّا فقدوا أرواحهم جراء الغزو الأميركي لبلادهم، إضافة إلى عشرات الآلاف الذين دفنوا دون إعلام السلطات وفقاً للاندبندنت البريطانية
  • 2448 عنصرا من الجيش الأميركي قتلوا في أفغانستان
  • 3846 من الأميركيين المتعاقدين مع الجيش الأميركي قتلوا في أفغانستان.
  • 20660 جندياً أميركيّا أصيبوا في العمليات العسكرية في ذلك البلد
  • 111 ألف مدني أفغاني لقوا حتفهم بسبب الحرب

بدا الرئيس بايدن في مثل هذه الأيام من العام الماضي بعيداً كل البعد عن فهم تلك المخاطر، حين تساءل عن "الفائدة التي ستجنيها واشنطن من أفغانستان في هذه المرحلة بعد رحيل القاعدة”. كان يدافع عن الانسحاب الدرامي الذي سجلت الكاميرات فيه تساقط الأفغان من طائرات الجيش الأميركي، كما سوف تسجل تقدّم طالبان وسيطرتها على أفغانستان شبراً شبرا.

يباهي بايدن بأنه تمكن من القضاء على القاعدة، ويحاجج بأن الهدف من غزو ذلك البلد في آسيا والقريب من كافة التحديات التي تزعم واشنطن أن لها أولوية حالياً، قد تحقق، معتبراً أن المهمة انتهت.

وتعتبر مجلة "لونغ وور جورنال” التابعة لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن مثل هذه التصريحات ليست دقيقة، وأنها تجانب المعلومات الموثقة وتبتعد عنها كثيرا؛ فطالبان لا يمكن بأي شكل من الأشكال فصلها عن القاعدة التنظيم الإرهابي الذي منحته ملاذا آمنا للتخطيط للهجمات، واستمرت علاقة الطرفين وثيقة طيلة الوقت بشكل بنيوي. ويؤكد فريق مراقبة تابع للأمم المتحدة، في تقييم صدر في أبريل 2021، أن "طالبان والقاعدة لا يزالان متحالفين بشكل وثيق ولا يظهران أي مؤشر على قطع العلاقات”.

إذاً، والحال هكذا، كيف يمكن النظر إلى الطريقة التي يرى بها البيت الأبيض المخاطر المحدقة بالولايات المتحدة وبالعالم قاطبه؟

انتصارات لا تغيّر شيئاً

يحتفل بايدن بانتصاره على زعيم القاعدة أيمن الظواهري في يوليو الماضي، عبر هجمة نفذتها طائرة مسيرة في كابول. ولا يتوقف عند السؤال الجوهري الذي يطرحه الأميركيون عن ذلك الانتصار: كيف ولماذا انتقل الظواهري إلى العاصمة الأفغانية بعد انسحاب القوات الأميركية، في حين أنه كان من الممكن أن يبقى حيث كان أو ينتقل إلى مكان آخر؟ ومن هم أعضاء القاعدة الآخرون الذين انتقلوا إلى أفغانستان بعد انسحاب أميركا؟ وماذا كانوا يفعلون هناك؟ وهل انتهت القصة عند هذا الحد؟

امتلك الكاتبان الجرأة الممزوجة بالحنق على أداء البيت الأبيض ليقولا صراحة إنه "لا ينبغي أن يكون البيت الأبيض أحمق إلى هذه الدرجة ليعتقد أن ضربة واحدة في السنة كافية لحرمان القاعدة من المساحة التي تحتاجها للتخطيط لهجمات وشنها ضد الولايات المتحدة وحلفائها”.

بل إن انتقادهما يتجاوز الإدارة الديمقراطية الحالية ليشمل الحزبين معاً، الديمقراطي والجمهوري، معتبرين أنهما لم يتخليا عن "عادة خداع الذات”، وسيكون مثيراً ومهماً للقارئ في العالم العربي أن يجد ما كان يقوله في شوارع بغداد ودمشق والقاهرة عن العقلية التي اتخذ بها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن ومعه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قرار شن الحرب، بناء على "تخيلات” قالها القادة الأميركيون لأنفسهم بدلا من التقييمات الموضوعية للأعداء والخصوم والوضع على الأرض والإجراءات اللازمة لتأمين مصالح واشنطن. وقد أدى هذا الخداع الذاتي إلى "هزيمة الذات”.

باراك أوباما كان مثالاً للتعبير عن الوهم وخداع الذات حين أعلن سنة 2009 في الأكاديمية العسكرية الأميركية عن إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، مضيفاً قوله إنه "بعد 18 شهرا ستشرع قواتنا في العودة إلى الوطن”، وإن تلك القوات يجب ألا تبقى عرضة للأذى ليوم أكثر مما تتطلبه مصالح البلاد. فإلى من كان يوجّه أوباما رسالته تلك؟ إلى خصوم الولايات المتحدة؟ أم أن ذلك كان لأغراض لا تقارب هذا التحدي بأي شكل من الأشكال؟

ثم جاءت صفقة إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2020 مع طالبان والتنازلات اللاحقة التي منحتها واشنطن للجماعة التي تصنفها إرهابية، وكان أكثر المتضررين منها حلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان وغيرها.

ولا يفهم أحد، قبل أن يجد مبرراً أو تفسيراً مقنعاً، كيف تتفاوض واشنطن مع أعداء حلفائها في غياب الأخيرين؟ ثم كيف تجبرهم على إطلاق سراح الآلاف من الإرهابيين المعتقلين، وتقوم بتقليص الدعم الاستخباراتي، وتنهي المطاردة النشطة لطالبان، ثم تسحب الدعم الجوي القريب من القوات الأفغانية، وتوقف دعم المتعهدين للقوات
الأفغانية؟

ما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان، منبع الخطر الذي تسبب في أحدث 11 سبتمبر، لم يكن سوى تشجيع لأعداء الولايات المتحدة، ونزع للثقة بينها وبين الحلفاء، إضافة إلى إطلاقها العنان للفساد وهلهلة مؤسسات الدولة.

 

الولايات المتحدة شجعت أعداءها في أفغانستان ونزعت ثقة حلفائها بها
الولايات المتحدة شجعت أعداءها في أفغانستان وبددت ثقة حلفائها بها

 

العراق نموذج ساطع

لم تتعلم الولايات المتحدة شيئاً من درس الانسحاب من العراق؛ فما إن غادرت هذا البلد حتى عادت القاعدة ثم ظهر تنظيم داعش الذي سيطر خلال ثلاث سنوات تلت ذلك الانسحاب على مساحات شاسعة من أراضي العراق وسوريا.

صحيح أن قوة صغيرة على الأرض، مع دعم جوي شاركت به أكثر من سبعين دولة، بالإضافة إلى وكلاء كلفتهم الولايات المتحدة بالمهمة، تمكنوا من القضاء على داعش، إلا أن أميركا سمحت لطالبان والقاعدة الآن بإعادة تأسيس إمارة في أفغانستان.

ويعود السؤال من جديد: ماذا لو فشلت حسابات الولايات المتحدة في التعامل مع طالبان والقاعدة؟ ستعود الهجمات الإرهابية من جديد، ليس في مناطق العالم المختلفة التي شهدت صعوداً وانتشاراً كبيراً للتنظيمات الإرهابية بالقياس إلى ما كانت عليه في لحظة 11 سبتمبر وحسب، بل داخل الولايات المتحدة نفسها.

حين يحدث ذلك يجب أن تتوقع واشنطن المزيد من الهزائم الذاتية عند مواجهة أعداء آخرين مثل بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران. وهذا آت على الطريق في ظل إصرار إدارة بايدن على اتفاق نووي جديد مع الإيرانيين؛ حيث يتظاهر الطرفان، الولايات المتحدة من جهة ونظام قائم على أيديولوجيا واضحة المعالم لا تخفي عدوانيتها وشراستها في طهران من جهة ثانية، بأنهما يمكن أن يتوصلا إلى نقطة اتفاق سلمية، في حين يستمر الحرس الثوري في زرع العنف عبر أذرعه وميليشياته ويواصل تعزيز برنامجه النووي كل يوم.

لن يجد الأميركيون في ذكرى هذا الحدث الدامي أفضل من مساءلة قياداتهم في واشنطن، ودفعهم للاعتراف بأنهم حولوا خصومهم إلى حلفاء، وأضعفوا حلفاءهم، وزعزعوا استقرار مناطق عديدة في العالم بذريعة محاربة الإرهاب الذي باتت له دول ومؤسسات بدلاً من شراذم كان يمكن التعامل معها لو أن الأميركيين لم يخدعوا العالم لأسباب تتعلق ببراغماتيتهم ومصالحهم غير المعلنة.

وإذا لم يحدث هذا يتوقع خبراء من طراز ماكماستر وبومان المزيد من الكوارث في القريب العاجل، والتي قد تجعل من أحداث 11 سبتمبر مجرد حفلة صغيرة قياساً بما يمكن أن يحدث.

 

المزيد من الهزائم الذاتية يجب أن تتوقعه واشنطن عند مواجهة أعداء آخرين مثل بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران
المزيد من الهزائم الذاتية يجب أن تتوقعه واشنطن عند مواجهة أعداء آخرين مثل بكين وموسكو وبيونغ يانغ وطهران