قد نمت السياحة العلاجية عالميا خلال العقد الماضي بشكل كبير ومتسارع بحيث اصبحت تشكل لعدد من الدول العربية النامية والتي تركز في اقتصاداتها على الخدمات كونها دول غير نفطية وتعتبر تنافسيتها في قطاع الخدمات أعلى من تنافسيتها في قطاع الصناعة كالأردن وتونس ولبنان أهمية كبيرة، حيث تم اعتبارها ولو بشكل غير رسمي كصناعة ورافدا هاما للنمو الاقتصادي نظرا لدورها الكبير في توظيف الأيدي العاملة وخلق فرص عمل جديدة من خلال تشجيع الابداع والابتكار للموسسات ورواد الأعمال في قطاعات مكملة كالسياحة والضيافة والنقل وتكنولوجيا المعلومات.
وبالاضافة الى كونها رافدا هاما لمدخولات هذه الدول من العملات الأجنبية الصعبة فهي تعتبر قطاعا هاما في استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية المباشرة والتي بدورها تؤدي الى تعزيز الأمن الصحي لمجتمعات هذه الدول. وبناءا على تقارير غير رسمية صادرة عن جهات غير حكومية في الأردن فقد رفعت السياحة العلاجية مساهمتها في الناتج المحلي الأجمالي في الأردن خلال العام 2015 الى حوالي 3.65 %.
ولعل السؤال الذي يدور في الأفق الآن هو كيفية استغلال المزايا التي تتمتع فيها هذه الدول مثل وفرة وكفاءة الموارد الطبية البشرية والاستثمار في المستشفيات الحديثة المزودة بأحدث الوسائل التكنولوجية التي تطبق أعلى معايير الجودة والاعتمادية ووجودها ضمن أقليم يتميز بطلب متزايد على الخدمات العلاجية مثل دول مجلس التعاون الخليجي وأجزاء من شمال وشرق افريقيا والشوط الكبير الذي قطعته هذه الدول في تسويق منتج السياحة العلاجية عالميا وتوفر مقومات سياحية متعددة الأنماط تساهم في زيادة الدخل المتأتي من السياحة العلاجية من خلال تطبيق منهجية العلاج مقابل السياحة والاستشفاء، ودورها في تعزيز وتطوير تنافسية السياحة العلاجية من خلال والابداع والابتكار؟
ومن خلال استطلاع اجري في الأردن مؤخرا فانه من كل عشرة اشخاص يقصدون الأردن للعلاج هنالك شخص واحد فقط يقوم بزيارة للمواقع السياحية والاستشفائية في الأردن وهذا يقودنا الى الفرص المتاحة في امكانية تعزيز الدخل المتاتي من السياحة العلاجية في دولة كالأردن حباها الله بمنتجعات طبيعية استشفائية كالبحر الميت وحمامات ماعين فيها فيما لو تم رفع هذا الرقم خاصة بالنسبة للمرضى غير المقيمين في المستشفيات أو مراجعي العيادات أوحتى المرضى المقيمين في المستشفيات خلال فترة قبل وبعد العلاج الطبي والتي تتراوح في معدلها من 7 – 10 ايام في العادة وأكثر من ذلك في تخصصات معينة كالعلاج بالانابيب والعلاج النفسي. فالتركيز على زيادة القيمة المضافة للسياحة العلاجية لا يكون فقط من خلال زيادة أعداد المرضى والذي يكون احيانا كثيرة على حساب المريض المحلي بل من خلال تعظيم وتنويع الدخل المتأتي من السياحة العلاجية بجودة عالية وشفافية ومهنية ومسؤولية وبما يساهم في اثراء تجربة المريض ويدفعه الى اعادة تجربة العلاج مرة أخرى وتسويق المنتج العلاجي السياحي في بلده الأصلي من خلال الحديث بايجابية عن هذه التجربة.
وفي استطلاع آخر أجري في الهند مؤخرا بالتعاون مع أحد الشركات الهندية المختصة في السياحة العلاجية فأن ثمانية من كل عشرة مرضى من الولايات المتحدة الأمريكية الذين يتم علاجهم في الهند ينفقون جزء من الوفورات المتحققة من العلاج هناك مقارنة بالعلاج في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تصل نسبتها الى 80 % وذلك بغية الحصول على منتجات سياحية واستشفائية هناك، علما أنه وبالمقارنة فان المسافة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند أبعد بكثيرعن الدول العربية في أقليم المتوسط ولا يوجد في الهند قانون للمسؤولية الطبية، ويعتبر العامل والقصد الأساسي من السفر الى هناك هو شمولية وتكاملية وجودة وتنافسية خدمات العلاج والسفر المقدمة من شركات تسويق السياحة العلاجية والمستشفيات في الهند تطبيقا للمفهوم الحديث في السياحة العلاجية والذي يقوم على اثراء تجربة المريض من خلال دمج الخدمات الطبية وخدمات الضيافة وتشاركية المرضى باستخدام الوسائل والتطبيقات التكنولوجية الحديثة في الاتصال والتسويق.
ان الطلب المتزايد حاليا على السياحة العلاجية عالميا يستدعي من اصحاب القرار والشركاء العمل بتميز وسرعة وجدية في تطوير منتجات علاجية واستشفائية وسياحية توافق التغير المستمر في الأنماط الاستهلاكية والتطور في أنماط الطلب العالمية الطبية منها والتكنولوجية والتشريعية والاقتصادية والاجتماعية حتى لا تضيع الفرص المتاحة حاليا وذلك من خلال خلق استراتيجيات متوسطة وطويلة المدى يتم مراجعتها وقياس فعاليتها وتطويرها دوريا بهدف تحسين وتعزيز تنافسية منظومة السياحة العلاجية بشكل شمولي ومتكامل. وتشير الدراسات الى تنامي السياحة العلاجية عالميا بحوالي 10 % - 15 % سنويا نتيجة مجموعة من أنماط الطلب العالمية سواءا التقليدية أو غير التقليدية الناشئة والمتغيرة منها. فبالاضافة الى الطلب المتزايد على الخدمات العلاجية عالميا نتيجة السفر للعلاج بتكلفة أقل وجودة عالية والنقص في الخدمات العلاجية عالميا والبحث عن اختصتصات معينة غير متوفرة في بلد المريض والحصول على الخدمة الطبية في وقت مناسب وكون مقدم الخدمة الطبية جزء من شبكة مزود التأمين والعوامل الثقافية والدينية كما في الدول العربية، ظهرت مؤخرا أنماط طلب جديدة منها طبية وتشريعية مثل تحديد جنس الجنين والتبرع من طرف ثالث في حالة العقم واستخدام التكنولوجيا والطب البديل في تقليل التداخلات الجراحية والحصول على السرية والخصوصية خاصة في علاج الادمان والأمراض النفسية اضافة الى أنماط اقتصادية واجتماعية كتلك المتعلقة بنشوء التحالفات التجارية الطبية التأمينية والتي تبحث عن زيادة مكاسب مزودي الخدمة الطبية وشركات التامين و/أو الشركات المشغلة بشكل مباشر والبحث عن منتج طبي سياحي (حلال) وتوفر خدمات الرعاية أثناء السفر لكبار السن والأطفال والنمو في الطبقة المتوسطة. وفي سبيل تعظيم الفائدة القصوى من تلك الأنماط الجديدة الناشئة في السياحة العلاجية ومواكبتها فأنه لا بد من المباشرة في دراسة وتطوير منتجات علاجية تنافسية مدعمة بوسائل تسويقية تحاكي التطور التكنولوجي كتطبيقات السفر الطبي الالكتروني من خلال المواقع الالكترونية وأجهزة المحمول.
وفي هذا المجال ونظرا للطلب العالمي المتزايد على توفر الانماط التكنولوجية الحديثة فأنه قد آن الأوان لمواكبة هذا التطور ومحاكاته من خلال سرعة المباشرة في انشاء مواقع وتطبيقات وطنية الكترونية تقدم هذه الخدمة نظرا الى الحاجة الطبية لاستخدامها وفعاليتها في تقديم خدمات رحلة العلاج والمتابعة والاشراف الطبي قبل وخلال وبعد انتهاء فترة العلاج، وأيضا في توفير خدمات حجز كافة الخدمات الفندقية والاستشفائية والسياحية والدفع الالكتروني مدعمة بخدمة التواصل المستمر مع مستخدمي ومشتري الخدمة الطبية السياحية واشراكهم في طرح الشكاوي وتصنيف الخدمات العلاجية والسياحية التي حصل عليها بمنتهى الشفافية بهدف ليس فقط التطوير والتحسين لهذه الخدمات على صعيد المنشأت الطبية والسياحية على حد السواء وبل أيضا استخدام المخرجات والمعلومات في تعزيز الابداع والابتكار.
لقد كانت شركة Nokia من أكبر الشركات واكثرها قوة في انتاج وبيع أجهزة الاتصال الجوال ولكنها وفي فترة قياسية كانت قد خسرت حصتها في السوق العالمي لسبب بسيط وهو عدم تعزيز الابداع والابتكار مما ساهم في تراجع تنافسيتها عالميا وكانت النتيجة افلاسها وبيعها نتيجة خسارة حصتها السوقية لصالح شركات مثل Apple و Samsung والتي عززت مفاهيم الابتكار في مؤسساتها. وهذا المثال يقودنا الى أهمية تشجيع الابداع والابتكار المستمر لتعزيز التنافسية من خلال التشاركية أولا بين القطاعين العام والخاص وثانيا بين مقدمي خدمات السياحة العلاجية في القطاع الخاص كالمستشفيات، الأطباء، الفنادق، الطيران والنقل، شركات السياحة العلاجية، شركات تكنولوجيا المعلومات ورواد الأعمال الشباب في تلك الدول نحو الاستمرار في تطوير منتجات علاجية واستشفائية وسياحية تواكب التغير المستمر في الانماط السلوكية للأسواق المستهدفة والمستهلكين فيها وتعزيزها باستخدام وسائل الاتصال والتسويق ووسائل التكنولوجية الحديثة، وعدم الاكتفاء بالتغني على ما تحقق بل الاستمرار في استثمار ما تحقق نحو زيادة المكتسبات وتطويرها. فعلى الرغم من الطلب المتزايد على الخدمات العلاجية عالميا فانه المنافسة العالمية في توفير هذه الخدمات في ازدياد ايضا وأنه لا بد من الاستمرار في التطوير ومراقبة التحديات والاستثمار في تحويلها الى فرص بفترة قياسية وذلك من خلال تعزيز ثقافة التنافسية والابداع والابتكار داخل كافة المؤسسات العامة والمؤسسات الطبية والسياحية الخاصة ورواد الأعمال في دولنا (( مجلة المركز العربي))