إرفع راسك فوق إنت عربيّ حرّ”، على وقع أغنية أصالة الدمشقيّة احتفل عرب الـ48 بانتصارهم التاريخيّ في انتخابات الكنيست. 19 مقعداً من أصل 120 ليس رقماً عابراً، إنّه بمنزلة "7 أكتوبر” سياسيّ ـ انتخابيّ اخترق يهوديّة الدولة في إسرائيل.
لم تكن الأغنية مجرّد تعبير عابر عن فرحة انتخابيّة، بل بدت إعلاناً عن استعادة الثقة بالهويّة والحقّ في المواطنة، ورسالة سياسيّة تتجاوز صناديق الاقتراع إلى جوهر الصراع على المكانة والاعتراف والحقوق. مقابل هذا المشهد، لم يجد معسكر بنيامين نتنياهو، في مواجهة حجم الإنجاز العربيّ، سوى اللجوء إلى سلاح التشكُّك والتحريض، متّهماً الأحزاب العربيّة بتلقي أموال من قطر، في محاولة للطعن بشرعيّة ما حقّقه الناخبون العرب، وتحويل مشاركتهم الديمقراطيّة من استحقاق انتخابيّ إلى شبهة أمنيّة وسياسيّة.
هكذا لم تعد المسألة مجرّد 19 مقعداً في برلمان من 120 عضواً، ولا مجرّد معركة لإسقاط نتنياهو أو منع اليمين المتطرّف من مواصلة هيمنته. إنّها مواجهة بين واقع جديد يفرضه عرب الـ48 بأدوات الديمقراطيّة، وبين عقليّة إسرائيليّة لا تزال تجد صعوبة في تقبّل أن يكون العرب شركاء في تحديد مستقبل الدولة التي يحملون جنسيّتها، وما تزال هذه العقليّة متمسّكة بالتمييز العنصريّ. وإذا كان السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل قد هزّ صورة إسرائيل الأمنيّة أمام العالم، فإنّ "7 أكتوبر” السياسيّ الذي صنعه عرب الداخل هزّ هذه المرّة صورتها الديمقراطيّة من الداخل، ووضع فكرة يهوديّة الدولة أمام اختبار لم يعد ممكناً تأجيله.
"الديمقراطيّة الإسرائيليّة” التي خدع مؤسّسو الكيان العالم بها، وشكّلت طوال عقود ركيزة الدعم الغربيّ لهذا الكيان أسقطها عرب الـ48. لذلك ليس من قبيل الصدفة أن ينحو إسرائيليّون، من سياسيّين وحاخامات وكتّاب ومفكّرين، إلى وصف ما جرى بأنّه "7 أكتوبر” جديد، بل أشدّ خطراً من سابقه، لكونّه سياسيّاً هذه المرّة لا أمنيّاً ولا عسكريّاً.