الدكتور فؤاد محيسن) اقتصادي ومصرفي ومستشار قانوني(
- تقتضي مواجهة التطرف والعنف رفض توظيف الدين لتبرير الكراهية والإقصاء والاعتداء، والتمييز بين التعاليم الدينية وممارسات الجماعات المتطرفة، وترسيخ خطاب مسؤول يحترم الاختلاف ويحمي الحقوق؛ فالاعتداء على دور العبادة والأبرياء لا يمس أتباع دين بعينه فحسب، بل يهدد حق المجتمع كله في الأمن وممارسة الشعائر والعيش المشترك. كما أن الاعتداء على الأبرياء باسم الدين يتعارض مع مبادئ العدل والبر والحوار التي تؤكدها النصوص الإسلامية.
- تُعدّ صحيفة المدينة نموذجًا بارزًا في التنظيم السياسي والاجتماعي للمجتمع الذي تأسس في المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد ﷺ من مكة وإقامة الدولة، إذ نظّمت العلاقات بين مكوناته المختلفة، وحددت أسس الأمن والمسؤوليات والتعاون المشترك.
- إن التعايش لا يشترط الاتفاق في المعتقدات والآراء، بل يقوم على العيش المشترك بكرامة وأمان، واحترام التنوع الديني، وصون الحقوق، ومعالجة الخلافات بالوسائل السلمية، دون إلغاء الفوارق العقدية أو توحيد المعتقدات.
- يمثل بناء الجسور وسيلة عملية لإدارة الاختلاف بصورة عادلة ومستدامة، من خلال تعزيز الحوار والثقة والتعاون والمسؤولية المشتركة، بما يسهم في تماسك المجتمع، في ظل تكامل القيم الدينية والأخلاقية مع الضمانات القانونية والمؤسسات الفاعلة التي تكفل العدالة والمساواة.
- تقوم المسؤولية المشتركة على ضمان الحقوق والواجبات للجميع، وتعزيز الاحترام المتبادل، وترسيخ ثقافة التعايش والسلم الأهلي، بما يدعم الأمن والاستقرار ويسهم في بناء مستقبل مشترك.
مقدمة
يُعدّ التنوع والاختلاف من الحقائق الأساسية في الوجود الإنساني؛ فالناس يتفاوتون في معتقداتهم وثقافاتهم ولغاتهم وأفكارهم، كما تتعدد المجتمعات في أنظمتها وقيمها وطرائق حياتها. ولا يعني هذا التنوع بالضرورة التعارض والصراع، بل يمكن أن يكون مصدرًا للتكامل والتعاون، متى توافرت الإرادة لاحترام الآخر والاعتراف بحقوقه وإدارة الاختلاف بالحوار والعدل.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118]، كما ربط اختلاف الشعوب والقبائل بالتعارف، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وتكتسب التعددية الدينية أهمية خاصة في المجتمعات التي تضم أتباع أديان ومذاهب مختلفة؛ إذ لا يكفي وجود هذه الجماعات في المكان نفسه لتحقيق التعايش، بل يتطلب الأمر حماية الحقوق، وتعزيز الثقة، وإقامة علاقات مستدامة تقوم على الحوار والتعاون والمسؤولية المشتركة.
وتبرز أهمية ذلك عند وقوع اعتداءات تستهدف دور العبادة أو المواطنين بسبب انتماءاتهم الدينية، إذ تكشف هذه الجرائم خطورة الفكر المتطرف الذي يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ويستبدل الحوار بالإقصاء والعنف.
وفي هذا السياق، تقدم صحيفة المدينة نموذجًا تاريخيًا مهمًا لتنظيم العلاقات بين جماعات متعددة داخل مجتمع واحد، من خلال إطار ينظم الالتزامات والأمن والتعاون. ومن خلال هذا المقال نسعى إلى بيان أسس التعددية الدينية في المنظور الإسلامي، واستكشاف دلالات صحيفة المدينة، وتوضيح دور بناء الجسور بين مكونات المجتمع في مواجهة التطرف وتعزيز السلم الأهلي، مع الاستفادة من دلالات أحداث كنيسة الكرك في السياق الأردني.
أولًا: مفهوم التعددية الدينية وأبعادها
تُعرّف التعددية الدينية بأنها وجود أديان ومعتقدات مختلفة داخل المجتمع الواحد، مع الاعتراف بهذا التنوع واحترام الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، وتنظيم العلاقات بينهم بما يضمن السلم المجتمعي.
ولا تقتصر التعددية على مجرد وجود جماعات دينية متعددة، بل تتطلب الانتقال من الاعتراف بالاختلاف إلى احترام الحقوق، ومن احترام الحقوق إلى إقامة علاقات تقوم على الحوار والتعاون والمساواة أمام القانون.
وتستند التعددية الإيجابية إلى مبادئ أساسية، أبرزها:
1. الاعتراف بالآخر: احترام وجود الجماعات المختلفة وحقها في المشاركة المجتمعية.
2. حرية الاعتقاد: رفض الإكراه الديني واحترام خصوصية المعتقد وممارسة الشعائر وفقًا للقانون.
3. العدل وحماية الحقوق: عدم اتخاذ الاختلاف الديني مبررًا للتمييز أو الاعتداء.
4. الحوار السلمي: معالجة الخلافات بالتفاهم بدلًا من العنف والتحريض.
5. رفض الإقصاء والكراهية: عدم تعميم المسؤولية على جماعة بسبب أفعال أفراد أو تنظيمات.
6. التعاون في المصالح المشتركة: العمل معًا في مجالات التعليم والرعاية الاجتماعية ومكافحة الفقر وحماية الأمن المجتمعي.
وترتبط التعددية الدينية بالتعددية المذهبية والسياسية؛ فالأولى تتصل باختلاف الأديان، والثانية بتنوع الاجتهادات والاتجاهات داخل الدين الواحد، أما الثالثة فتتعلق بتعدد القوى والآراء السياسية. وعلى اختلاف هذه الأنماط، فإنها جميعًا تحتاج إلى قواعد عادلة تنظم الاختلاف وتحمي الحقوق وتمنع تحول التباين إلى صراع.
ولا يعني احترام التعددية إلغاء الفوارق العقدية أو توحيد المعتقدات، بل إتاحة المجال لاستمرار الاختلاف ضمن إطار يحفظ الكرامة الإنسانية ويصون الحقوق. كما أن التسامح الأخلاقي، على أهميته، لا يغني عن الضمانات القانونية والمؤسساتية التي تكفل العدالة والمساواة وتحاسب المعتدين.
ثانيًا: التعددية الدينية من منظور إسلامي
يتيح المنظور الإسلامي فهم العلاقة مع المختلف دينيًا من خلال مبادئ التعارف والعدل والحوار والوفاء بالعهود. فالاختلاف في العقيدة لا يمنع قيام علاقات إنسانية واجتماعية تقوم على احترام الحقوق والتعاون في المصالح المشتركة.
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وفي ذلك تأكيد لأهمية الحكمة وحسن الحوار في التعامل مع الاختلاف.
كما قال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. وتؤكد الآية مشروعية البر والقسط في العلاقة مع المختلفين دينيًا، وتبرز أهمية التمييز بين الاختلاف العقدي والعدوان الفعلي.
ويعبّر قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] عن التمايز في الاعتقاد، بما يدعم فهمًا لا يجعل الاختلاف مبررًا للإكراه أو الاعتداء.
ولا تعني هذه المبادئ أن التاريخ الإسلامي خلا من النزاعات أو أن جميع الممارسات التاريخية جسّدت القيم المعلنة؛ بل تقتضي القراءة الموضوعية التمييز بين المبادئ الدينية وتطبيقاتها التاريخية، والاستفادة من القيم التي تعزز العدل والتعايش وتحفظ كرامة الإنسان.
ومن ثم، فإن مواجهة التطرف تتطلب رفض توظيف الدين لتبرير العنف والإقصاء، وعدم الخلط بين التعاليم الدينية وممارسات الجماعات المتطرفة، وترسيخ خطاب مسؤول يقرّ بالاختلاف ويحمي الحقوق.
ثالثًا: صحيفة المدينة المنورة نموذجًا لتنظيم التعايش
تحتل صحيفة المدينة مكانة بارزة في دراسة التنظيم السياسي والاجتماعي للمجتمع الذي نشأ في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية. وتنبع أهميتها من تناولها تنظيم العلاقات بين جماعات متعددة، في سياق تاريخي استدعى وضع إطار مشترك للأمن والمسؤوليات والتعاون.
وقد ضمت المدينة جماعات ذات انتماءات دينية وقبلية مختلفة، الأمر الذي جعل تنظيم العلاقات بينها ضرورة لتحقيق الاستقرار والحد من النزاعات. وتضمنت الصحيفة أحكامًا تتعلق بالعهود والمسؤوليات المشتركة والدفاع والأمن وتسوية النزاعات، كما نظمت جوانب من العلاقة بين الجماعة المسلمة والجماعات اليهودية.
ويمكن استخلاص مجموعة من الدلالات الأساسية من دراسة الصحيفة:
- الاعتراف بالتنوع: التعامل مع وجود جماعات متعددة داخل المجتمع بدلًا من افتراض التطابق الكامل في الانتماءات.
- تنظيم الحقوق والواجبات: وضع قواعد تضبط العلاقات وتحدد الالتزامات المتبادلة.
- المسؤولية المشتركة عن الأمن: ربط استقرار المجتمع بالتزامات الأطراف المعنية بحمايته.
- الوفاء بالعهود: اعتبار الالتزام بالاتفاقات عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة واستدامة العلاقات.
- إدارة الخلاف ضمن إطار مشترك: الحد من تحول النزاعات إلى صراعات تهدد المجتمع بأكمله.
وتشير هذه الدلالات إلى أن التعايش لا يتحقق بمجرد الاعتراف بوجود الآخرين، بل يحتاج إلى قواعد تنظم العلاقات وتحدد المسؤوليات وتحمي المصالح المشتركة.
ومع ذلك، ينبغي قراءة صحيفة المدينة في سياقها التاريخي، وعدم مساواتها مباشرة بمفاهيم الدولة الحديثة والمواطنة المعاصرة؛ فهذه المفاهيم تطورت عبر مسارات تاريخية وقانونية متعددة. كما تقتضي الدقة العلمية التمييز بين ما تنص عليه الصحيفة صراحة وما يستخلصه الكاتب من دلالاتها.
وتكمن أهمية الاستفادة منها اليوم في المبادئ العامة المتعلقة بتنظيم العلاقات بين الجماعات المختلفة، والالتزام بالعهود، وتحمل المسؤولية المشتركة عن الأمن والاستقرار. وهي مبادئ يمكن أن تسهم في التفكير المعاصر في التعايش، دون اعتبار الوثيقة حلًا جاهزًا لجميع تحديات المجتمعات الحديثة.
رابعًا: التعددية الدينية ومواجهة الفكر المتطرف — دلالات أحداث كنيسة الكرك
تكشف الاعتداءات التي تستهدف دور العبادة أو الأبرياء بسبب انتماءاتهم الدينية عن خطورة الفكر المتطرف الذي يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ويصور الآخر باعتباره تهديدًا يستوجب الإقصاء أو العنف.
وفي هذا السياق، تبرز أحداث كنيسة الكرك بوصفها مناسبة للتأكيد على ضرورة حماية التعددية الدينية وتعزيز التماسك الوطني في مواجهة محاولات بث الخوف والانقسام. وينبغي عند تناول تفاصيل الحادثة الاستناد إلى المعلومات الموثقة، وتجنب نسبة دوافع أو وقائع محددة إلى مرتكبيها دون دليل موثوق.
إن الاعتداء على مكان للعبادة لا يمس أتباع دين بعينه فحسب، بل يهدد حق المجتمع كله في الأمن وممارسة الشعائر والعيش المشترك. كما أن الاعتداء على الأبرياء باسم الدين يتعارض مع مبادئ العدل والبر والحوار التي تؤكدها النصوص الإسلامية.
وتقتضي المعالجة المسؤولة لهذه الأحداث التمييز بين الدين بوصفه منظومة من القيم والتعاليم، وبين التوظيف المتطرف له لتبرير العنف. كما تستوجب رفض تعميم المسؤولية على أتباع دين أو مذهب بسبب أفعال أفراد أو تنظيمات؛ لأن التعميم والتحريض قد يغذيان الانقسام الذي يسعى المتطرفون إلى إشعاله.
وفي السياق الأردني، تمثل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين جزءًا من النسيج الوطني والاجتماعي الذي ينبغي صونه وتعزيزه. ولا يجوز أن يحدد فعل إجرامي طبيعة العلاقة بين أبناء الوطن أو أن يحوّل الخوف إلى أساس للتعامل بينهم.
وتتطلب مواجهة التطرف إدانة الاعتداءات بوضوح، ومحاسبة مرتكبيها وفق القانون، والتضامن مع الضحايا وذويهم، ورفض الانتقام الجماعي وخطاب الكراهية. كما تتطلب جهودًا تربوية وثقافية وإعلامية تعزز المعرفة الصحيحة، وتواجه الشائعات والتحريض، وتدعم الحوار والتواصل بين مكونات المجتمع.
ومن ثم، فإن حماية التعددية الدينية مسؤولية مشتركة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تشمل بناء ثقافة عامة تحترم الاختلاف، ومؤسسات تحمي الحقوق، وعلاقات مجتمعية تحول دون استغلال الأزمات لإثارة العداوة والانقسام.
خامسًا: من التعددية الدينية إلى بناء الجسور بين مكونات المجتمع
إذا كانت التعددية الدينية تعترف بوجود الاختلاف، فإن بناء الجسور يمثل الوسيلة العملية لتحويل هذا الاعتراف إلى علاقات مستدامة تقوم على التواصل والثقة والتعاون.
ويقصد ببناء الجسور إقامة قنوات اتصال وعلاقات عمل مشتركة بين الأفراد والمؤسسات والقيادات الدينية والمجتمعية، بهدف تبادل المعرفة والخبرات، وتحديد المصالح المشتركة، ومعالجة الخلافات، والاستجابة للتحديات التي تواجه المجتمع.
ولا يقتصر هذا البناء على اللقاءات العابرة أو البيانات المشتركة، بل يتطلب برامج مستمرة ومبادرات عملية تتيح التعاون في مجالات التعليم والرعاية الاجتماعية ومساعدة المحتاجين ومكافحة الفقر وحماية السلم الأهلي.
وتبرز أهميته في الحد من الصور النمطية وسوء الفهم؛ فالتواصل المنتظم يساعد على تصحيح المعلومات الخاطئة، وفهم خصوصيات الجماعات المختلفة، وبناء الثقة التي تسهم في احتواء الأزمات قبل تفاقمها.
كما يختلف بناء الجسور عن الحوار المنفرد؛ فالحوار قد يكون لقاءً لمناقشة قضية محددة، بينما يستهدف بناء الجسور إقامة علاقات قابلة للاستمرار والتطوير. ولا يتطلب ذلك اتفاق الأطراف في جميع المسائل العقدية والفكرية، بل يكفي الاتفاق على قواعد الاحترام المتبادل وأهداف التعاون المشترك.
آليات بناء الجسور
يمكن تعزيز العلاقات بين مكونات المجتمع من خلال الحوار المنتظم بين القيادات الدينية والمجتمعية، وتنفيذ المبادرات الاجتماعية والإنسانية المشتركة، وتكثيف التعاون التعليمي والثقافي لنشر الوعي ومواجهة الصور النمطية والتحريض. كما يتطلب ذلك تبني خطاب إعلامي مسؤول، وتفعيل قنوات التواصل والتنسيق في أوقات الأزمات للحد من الشائعات ودعم المتضررين، إلى جانب تعزيز الشراكات بين المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ووسائل الإعلام، بما يرسخ ثقافة التعايش ويحمي الحقوق ويعزز السلم المجتمعي.
وتساعد هذه الآليات على تحويل مبادئ التعددية إلى ممارسات ملموسة، شريطة ألا تحل المبادرات المجتمعية محل القانون أو مسؤولية الدولة في حماية الحقوق وضمان العدالة.
سادسًا: دور القيادات الدينية والمجتمعية والحوار داخل الدين الواحد
تؤثر القيادات الدينية والمجتمعية في تشكيل اتجاهات الرأي العام، ويمكنها الإسهام في تهدئة التوتر وتعزيز الاحترام، كما يمكن للخطاب غير المسؤول أن يفاقم الانقسامات.
ومن هنا، تبرز مسؤوليتها في تبني خطاب متوازن يحافظ على الخصوصية الدينية دون الانتقاص من كرامة الآخرين، ورفض استخدام الدين أو الهوية لتبرير الاعتداء والتحريض. كما أن التواصل المستمر بين القيادات الإسلامية والمسيحية، من خلال اللقاءات والزيارات والمبادرات المشتركة، يجعل التضامن ممارسة يومية بدلًا من أن يقتصر على ردود الفعل بعد وقوع الأزمات.
ويتطلب نجاح هذه الجهود تكامل أدوار القيادات الدينية مع المؤسسات الرسمية والتعليمية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني؛ فحماية السلم المجتمعي مسؤولية مشتركة لا تستطيع جهة واحدة تحملها منفردة.
ولا تكتمل التعددية الدينية دون احترام التنوع المذهبي داخل الدين الواحد. فالاختلاف في الاجتهادات والتفسيرات لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للعداء أو نزع الحقوق عن أتباع مذهب معين. ويقتضي ذلك إتاحة الحوار العلمي الهادئ، ورفض التكفير والتحريض والإقصاء، وتعزيز التعاون في القضايا الاجتماعية والإنسانية المشتركة.
كما أن احترام الاختلاف داخل الدين الواحد يعزز مصداقية الدعوة إلى التعايش بين الأديان؛ إذ لا يستقيم رفض التعصب في علاقة، مع التساهل معه في علاقة أخرى. والمبدأ الأساسي هو رفض الاعتداء والإقصاء والتحريض بصرف النظر عن هوية الضحية أو المعتدي.
سابعًا: شروط نجاح بناء الجسور واستدامته
لا يتحقق بناء الجسور بمجرد تنظيم اللقاءات أو إنشاء اللجان، بل يحتاج إلى شروط تضمن استمراره وتحويله إلى نتائج ملموسة، وأبرزها وضوح الأهداف، وتعزيز الثقة المتبادلة، واستمرارية التواصل، والتوازن في المشاركة، واحترام الخصوصيات الدينية والفكرية، إلى جانب توفير الضمانات القانونية وحماية الحقوق، وتقييم المبادرات وتطويرها. وتبرز أهمية هذه الشروط في أوقات الأزمات، إذ تسهم قنوات الاتصال الفاعلة في الحد من الشائعات، ودعم المتضررين، ومنع الانتقام الجماعي، وتعزيز الثقة بقدرة المجتمع ومؤسساته على حماية الجميع.
وتكتسب هذه الشروط أهمية إضافية في أوقات الأزمات؛ إذ يمكن لقنوات الاتصال القائمة مسبقًا أن تساعد على الحد من الشائعات، ودعم الضحايا، ومنع الانتقام الجماعي، وتعزيز ثقة المواطنين بقدرة المجتمع ومؤسساته على حماية الجميع.
خاتمة
تُعدّ التعددية الدينية حقيقة أساسية في المجتمعات الإنسانية، ولا يتحقق التعايش بتجاهل الاختلاف أو محاولة إلغائه، بل بإدارته من خلال العدل واحترام الحقوق والحوار والتعاون. ومن المنظور الإسلامي، توفر مبادئ التعارف والبر والقسط والحوار أساسًا أخلاقيًا للتعامل مع المختلفين، دون اشتراط زوال الفوارق العقدية أو المذهبية.
وتقدم صحيفة المدينة نموذجًا تاريخيًا مهمًا لدراسة تنظيم العلاقات بين جماعات متعددة، من خلال الالتزامات المشتركة والعهود والمسؤولية عن الأمن والاستقرار. وتكمن أهمية الاستفادة منها في استخلاص الدروس التي تدعم التعايش المعاصر، مع مراعاة سياقها التاريخي وعدم مساواتها مباشرة بمفاهيم الدولة والمواطنة الحديثة.
وتؤكد دلالات أحداث كنيسة الكرك أن حماية التعددية ليست قضية نظرية، بل مسألة تتصل بأمن الإنسان وكرامته واستقرار المجتمع. ولذلك، فإن مواجهة الفكر المتطرف تقتضي إدانة العنف، ومحاسبة مرتكبيه وفق القانون، ورفض التعميم والكراهية، وتعزيز التضامن بين مكونات المجتمع.
أما بناء الجسور، فيمثل الانتقال من الاعتراف بالتنوع إلى إقامة علاقات مؤسسية ومجتمعية مستدامة، من خلال الحوار المنتظم والمبادرات المشتركة والتعاون بين القيادات الدينية والمؤسسات الرسمية والمجتمع المدني. وينبغي أن يمتد هذا الجهد إلى الحوار داخل الدين الواحد، بما يعزز احترام الاختلاف ويرفض الإقصاء بجميع أشكاله.
وفي المحصلة، لا يعني التعايش أن يتفق الناس في معتقداتهم وآرائهم، بل أن يعيشوا معًا بكرامة وأمان، وأن تُصان حقوقهم، وأن يمتلكوا وسائل سلمية لمعالجة خلافاتهم. فالتعددية توفر إطار الاعتراف بالاختلاف، بينما يوفر بناء الجسور الأدوات العملية لإدارته بصورة عادلة ومستدامة.
إن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بتكامل القيم الدينية والأخلاقية مع الضمانات القانونية والمؤسسات الفاعلة والعلاقات القائمة على الثقة والمسؤولية المشتركة. فالغاية ليست إزالة الاختلاف بين الناس، وإنما منع تحوله إلى مبرر للعنف والإقصاء، وترسيخ مجتمع يكون فيه الجميع شركاء في الحقوق والمسؤوليات والأمن والمستقبل المشترك.