أُسدل الستار على جولة انتخابية شديدة الاستقطاب في البرازيل بفوز الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية جديدة، في 25 أكتوبر 2026، بنسبة 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه فلافيو بولسونارو، وفق النتائج المعلنة.
ولا تعني النتيجة نهاية اليمين البولسوناري، لكنها تؤكد استمرار الانقسام حول هوية البرازيل واتجاهها السياسي، وتكتسب أبعادًا دولية بفعل التقارب بين التيار البولسوناري واليمين الأمريكي المرتبط بدونالد ترامب، الداعم ل"إسرائيل" وحكومة بنيامين نتنياهو، الذي تلاحقه اتهامات بارتكاب جرائم حرب في غزة.
فهل شكل فوز لولا انتكاسة محتملة لنفوذ "إسرائيل"؟
يمثل فوز لولا خسارة سياسية للتيار الذي يسعى إلى استعادة إرث جايير بولسونارو، المعروف بتقاربه مع حكومة بنيامين نتنياهو والتيارات الإنجيلية المحافظة. وقد يحدّ ذلك من فرص عودة حليف محتمل ل"إسرائيل" إلى قيادة البرازيل، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تراجع نفوذها داخل البلاد أو دوليًا.
في المقابل، اتخذ لولا مواقف حادة من العمليات الإسرائيلية في غزة، ودافع عن الحقوق الفلسطينية وحل الدولتين، كما أعلن استمرار تعليق صادرات المواد الدفاعية إلى "إسرائيل" وتشديد الرقابة على الواردات المرتبطة بالمستوطنات.. وهذا ما قد يشكّل مؤشرًا على تضييق هامش النفوذ الإسرائيلي في أمريكا اللاتينية، إذا تُرجم التباين السياسي إلى مواقف دبلوماسية وإجراءات عملية.
وعليه، يتوقف الأثر الفعلي للنتيجة على ما ستترجمه برازيليا إلى سياسات دبلوماسية وإجراءات ملموسة في المحافل الدولية، لا على التباين الخطابي وحده.
ما رسائل الفوز إلى واشنطن؟
كشف تحقيق لـ«رويترز» عن تحركات لمسؤولين في الخارجية الأمريكية لدعم عائلة بولسونارو وإضعاف حكومة لولا، عبر ضغوط وعقوبات واتصالات دبلوماسية، فيما لم يُحسم مدى ارتباطها المباشر بالبيت الأبيض. وفي هذا السياق، يبرز فوز لولا تذكيرًا بأن التدخلات الخارجية لا تضمن توجيه خيارات الناخبين، وقد تأتي بنتائج عكسية حين تُفهم بوصفها مساسًا بالسيادة الوطنية.
لكن النتيجة لا تعني هزيمة مباشرة لترامب أو انحسار اليمين الأمريكي؛ إذ تتشكل الخيارات الانتخابية من تداخل عوامل داخلية، أبرزها الاقتصاد والأمن والخدمات والثقة بالمؤسسات، إلى جانب الحملات الرقمية، من دون إمكان تحديد وزن كل عامل في النتيجة بلا أدلة موثقة.
أما خارجيًا، فتتجه الأنظار إلى انعكاسات استمرار لولا على "بريكس" والتعددية القطبية؛ إذ يتيح مواصلة نهجه الداعي إلى إصلاح الحوكمة العالمية وتعزيز التعاون بين دول الجنوب، كما عكسته أجندة الرئاسة البرازيلية للمجموعة عام 2025. غير أن توسيع دور "بريكس" يظل رهين تنسيق مصالح أعضائها وتحويل أهدافهم المشتركة إلى سياسات فاعلة، فيما يقوم استقلال القرار البرازيلي على تنويع الشراكات وتوسيع هامش المناورة، لا على مواجهة الغرب بالضرورة.
وأحيرا : تمكن الناخبون البرازيليون من حسم معركة الرئاسة، لا الصراع على هوية الدولة واتجاهها. ويبدأ الاختبار الحقيقي بقدرة لولا على معالجة الأزمات الداخلية واحتواء الاستقطاب، وترجمة مواقفه الخارجية إلى سياسات عملية، خصوصًا في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
أما دلالة الفوز الأبعد، فستتحدد بالنتائج التي تنتجها الحكومة، لا بالشعارات أو الاصطفافات وحدها.
26 أكتوبر 2026