كتب: أيمن النادي
في بلدٍ صنع تاريخه الرياضي بأذرع أبنائه، من ذهبية التايكواندو لابو غوش في ريو جانيرو 2016 إلى فضية أولمبياد طوكيو لصالح الشرباتي 2020، إلى فضية زيد مصطفى في باريس 2024 إلى العديد من الإنجازات العالمية والقارية والدولية والعربية لابطالنا الكبار يقف البطل الأردني اليوم أمام سؤالٍ قاسٍ: ماذا بعد؟ ماذا بعد أن يُنزع القميص الوطني، وتُطفأ الأضواء، وينتهي التصفيق؟
هنا نود أن فتح ملفاً مسكوتاً عنه في الرياضة الأردنية وهو غياب مظلة الأمان الاقتصادي للرياضي بعد الاعتزال، وحقوقه المهدرة.
أولاً: الواقع.. من المجد إلى الفراغ
لا يوجد في التشريعات الأردنية الحالية قانون يضمن للاعب المنتخب الوطني راتباً تقاعدياً دائماً. اللاعب الذي مثّل الأردن لعشر سنوات وأصيب وضحى بدراسته، يجد نفسه بعد الاعتزال بلا دخل ثابت.
هذه الحقيقة أكدها نجم الوحدات والمنتخب الوطني لكرة السلة المعتزل محمود عابدين مؤخراً، حين طالب علناً بتخصيص رواتب تقاعدية للاعبين بعد الاعتزال، مشيراً إلى صعوبة التحاقهم بأي عمل بسبب الإصابات المزمنة.
دراسة أكاديمية لخصت المأساة: "في الأردن، يأخذ اعتزال اللاعب خطوات كثيرة إلى الوراء، لأنه لم يكسب الكثير من ممارسة الرياضة التنافسية، خاصة الرياضات الفردية. لا يوجد تشريع رياضي يساعد اللاعبين على عيش حياة كريمة بعد التقاعد، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، وفي النهاية، الموت الاجتماعي".
ما الذي يحصل عليه الرياضي اليوم؟ مكافأة مقطوعة لمرة واحدة عند تحقيق ميدالية، ومنحة دراسية محدودة تقديرية، لا أكثر. لا سكن، لا تأمين صحي دائم، لا تعليم مجاني لأبنائه.
ثانياً: ماذا يطالب الرياضيون؟ حقوق وليست مِنَح
في لقاء خاص ضمن برودكاست "صوت البطل" مع الصحفي الرياضي المخضرم مفيد حسونة**، تحدث المدير الفني للمنتخبات الوطنية للتايكواندو، **فارس العساف - الرجل الذي قاد الأردن لـ 3 ميداليات أولمبية مع أحمد أبو غوش وصالح الشرباتي وزيد مصطفى والحاصل على جائزة محمد بن راشد لأفضل مدرب عربي - بصراحة غير معهودة.
أبرز ما جاء في مقابلة العساف - حسونة:
"نحن نصنع البطل ليكون مشروع دولة، لكننا نتركه بعدها مشروع معاناة. اللاعب يعطي الأردن 15 سنة من عمره، جسده يستهلك، وعندما ينتهي، نقول له شكراً. هذا ليس عدلاً."
وطالب العساف بحزمة حقوق دائمة لمن مثّل المنتخب الوطني:
1. راتب تقاعدي دائم: عبر استقطاع نسبة من رواتب اللاعبين أثناء ممارستهم، تساهم فيه مؤسسة الضمان واتحاد اللعبة. 2. سكن كريم: تخصيص نسبة من مشاريع الإسكان المدعومة لأبطال المنتخبات. 3. تعليم مجاني للأبناء: مقعد جامعي مضمون ضمن مكرمة خاصة بأبناء الرياضيين. 4. تأمين صحي مدى الحياة: يغطي الإصابات المزمنة الناتجة عن سنوات الاحتراف. 5. أولوية التوظيف: تنظيم دورات في إدارة الأعمال والاستثمار لتأهيلهم.
ثالثاً: كيف تكرم الدول رياضييها؟
بينما يعاني البطل الأردني، العالم يحترم أبطاله بنظام مؤسسي:
أستراليا وإنجلترا والدنمارك: تطبق اتفاقيات جماعية، يتم من خلالها تخصيص نسبة مئوية من إيرادات اللعبة للنقابات لتأمين مستقبل اللاعبين بعد الاعتزال.
قطر والإمارات: الرياضي الأولمبي يحصل على راتب شهري مدى الحياة، سكن، ووظيفة حكومية برتبة تقديرية.
فرنسا وأمريكا: في فرنسا بطل أولمبي يحصل على معاش "وسام الشرف الرياضي" ووظيفة في وزارة الرياضة. في أمريكا، اللجنة الأولمبية توفر تأميناً صحياً انتقالياً وصندوقاً لدعم التعليم والتحول المهني.
رابعاً: المنظومة لأبنائها.. لا مكان للدخلاء
وهنا بيت القصيد وجوهر الإصلاح الحقيقي.
المنظومة الرياضية في الأردن يجب أن تُدار **فقط من اللاعبين المعتزلين**، من أبناء الميدان الذين عاشوا التعب والعرق والإصابة. لا يجوز أن تُدار الرياضة من كوادر لم تمارس الرياضة يوماً، ولم تحقق أي إنجاز يُذكر، سواء جاءت من كوادر الأمن العام أو الجيش أو من المدنيين غير الرياضيين الذين تم تعيينهم بالواسطة والمحسوبية.
لقد تحولت الاتحادات واللجنة الأولمبية ووزارة الشباب إلى مكاتب توظيف للمتقاعدين من جهات أخرى، بينما البطل الحقيقي الذي أفنى عمره في خدمة العلم، يُترك على قارعة الطريق.
مطلبنا واضح: الوظائف في المنظومة الرياضية حق حصري للرياضي المعتزل.
• اللجنة الأولمبية ووزارة الشباب: المناصب القيادية والفنية يجب أن تكون من أبطال سابقين، لا من موظفين لم يروا البساط يوماً. • المدارس والجامعات الحكومية: حصة التربية الرياضية يجب أن يُدرسها بطل منتخب وطني، لأنه القدوة الحقيقية للطفل. • الاتحادات: رئاسة أي اتحاد يجب أن تشترط أن يكون الرئيس لاعباً دولياً سابقاً أو مدرباً حقق إنجازاً.
الرياضة يحكمها أهلها، وغير ذلك هو انتحار رياضي مؤجل. عندما نُعيد المنظومة لأصحابها، سيتحول المنصب من "مكافأة نهاية خدمة" لغير الرياضيين، إلى مظلة أمان اقتصادي وحق طبيعي للرياضي بعد الاعتزال.
الخاتمة: نداء إلى الدولة
الرياضي الأردني لا يطلب صدقة. هو يطلب عقداً اجتماعياً جديداً.
توصياتنا:
1. إصدار قانون "رعاية أبطال المنتخبات الوطنية". 2. إنشاء صندوق سيادي للرياضيين بتمويل من 1% من عوائد الرعاة والنقل التلفزيوني. 3. إقرار مكرمة ملكية سامية للرياضيين تشمل: راتب تقاعدي، مقعد جامعي لأبنائه، وتأمين صحي عائلي.
وكما قال فارس العساف لمفيد حسونة في ختام البودكاست: "إذا أردنا ميدالية أولمبية جديدة، علينا أن نطمئن الأم الأردنية أن ابنها إذا أصبح بطلاً، لن يجوع بعد عشر سنوات."
فهل نسمع؟