تعرض لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان يوم غد الثلاثاء في تمام الساعة السادسة والنصف الفيلم الفرنسي "بعيدا عن الرجال" للمخرج دافيد اولهوفن وذلك بقاعة السينما بمقر المؤسسة بجبل عمان .
ما بين المشهد الأول، حين يتعلم الأطفال خريطة فرنسا، والمشهد الأخير، حين يكتب المعلم على اللوح "جبال الأطلس"، تمتد رحلة من الكشف عن الذات والهوية والمكان والتاريخ، كشف جاء متأخرًا ولم يشفع لصاحبه فهم معنى الانتماء.
في فيلمه "بعيداعن الرجال"، يأخذنا المخرج الفرنسي دافيد أولهوفن إلى الجزائر في منتصف خمسينيات القرن الماضي، في بدايات المواجهة بين الجزائريين والسلطات الفرنسية. لكنه لا يذهب إلى الحرب عبر المعارك والخطابات، بل من خلال رحلة رجلين يجدان نفسيهما، رغما عنهما، في مواجهة التاريخ.
دارو، الذي يؤدي دوره فيغو مورتنسن، معلم يعيش وحيدًا في مدرسة نائية وسط منطقة جبلية قاسية. رجل مرتبط بالمكان وبطلابه ويتعامل معهم بمحبة واضحة. لم يكن جنديًا ولم يشارك في الحرب، ويبدو أنه اختار حياة بعيدة عن الصراع. لكنه يواجه في الوقت نفسه عدم رضا الإدارة الفرنسية، لأنه لا يوجد طالب فرنسيً واحد في مدرسته، حتى إن المدرسة تصبح مهددة بالإغلاق.
في أحد الأيام يصل إليه "محمد"، الذي يؤدي دوره "رضا كاتب"، وهو رجل جزائري متهم بقتل أحد أقاربه. تأتي الأوامر إلى دارو بتسليمه إلى السلطات. لينطلق الرجلان عبر الجبال، وسط طبيعة قاسية ومساحات شاسعة، تحكم علاقتهما في البداية مشاعر الحذر والصمت. ومع اقترابهما من مناطق الصراع، يصبحان هدفًا للمطاردين، ويجد دارو نفسه أمام خيار صعب، هل ينفذ أوامر السلطة، أم يحمي الرجل الذي أصبح مسؤولًا عنه؟
يستخدم المخرج ادواته بوعي كبير، والصورة تحمل الكثير من المعاني والدلالات، حيث توظيف اللقطات الواسعة يجعل الشخصيات صغيرة أمام الجبال والهضاب والوديان، وكأن الأرض تقول لكل العابرين فوقها إنهم مؤقتون، بينما هي الباقية.
ويهتم المخرج بتفاصيل الملابس والأسلحة والأدوات وحركة المجاميع، ليعطي الفترة التاريخية واقعيتها، فيما تأتي الموسيقى لتعمق إحساس العزلة والخطر، ويظل الصمت وأصوات الطبيعة حاضرين بقوة.
قوة السيناريو، باحكامه وعدم اللغو فيه، وإعطاء مساحة أكبر للصورة، خاصة في تشكيل العلاقة بين "محمد ودارو" التي تتنامى تدريجيا بالصمت والحذر والحركة والخوف، وبناء الثقة بينهما بدون افتعال.
لكن شخصية دارو هي التي تمنح الفيلم أسئلته الأكثر إزعاجًا. فهو يحب المكان والناس، يعمل مع الأطفال، يدين القتل ويرفض أن يتحول محمد إلى ضحية، ويواجه رجال السلطة، ويدينهم بوضوح لقتلهم الجزائريين، ومع ذلك، فإن إنسانيته لا تعفيه من السؤال التاريخي: هل يستطيع الإنسان أن يبقى محايدًا داخل نظام استعماري لمجرد أنه لم يحمل السلاح؟.
وتحمل المدرسة رمزًا أساسيًا في الفيلم. كانت ملاذ دارو وعالمه الصغير، لكنه يكتشف، خلال الرحلة، أن هذا العالم لم يعد قادرًا على حمايته من أسئلة الهوية والانتماء. وحتى النبتة التي يعطيها محمد لدارو، ولا يعرف دارو معناها إلا من خلال كلام محمد عن مرارتها وقدرتها على سد الجوع، في دلالة بأن معرفة الأرض ليست هي معرفة الخريطة؛ فهناك دائمًا معرفة يمتلكها أهل المكان الحقيقيون.
ومن خريطة فرنسا إلى جبال الأطلس، ومن المدرسة التي كانت ملاذًا إلى المدرسة التي تصغر وتكاد تتلاشى وسط المكان، يكتشف دارو أن انتماءه أكثر تعقيدًا مما ظن. جذوره الإسبانية، وولادته ونشأته في الجزائر، وارتباطه بفرنسا، كلها تجعله معلقًا بين هويات لا تمنحه جوابًا نهائيًا.
لذلك لا يقدم الفيلم دارو بوصفه بطلًا كاملًا ولا يدينه بوصفه مستعمرًا. ويتركه في المنطقة الأكثر صعوبة: رجل يحب الأرض، لكنه يكتشف متأخرًا أن الحب وحده لا يكفي لفهم التاريخ. وأزمته الحقيقية أنه يكتشفها عندما يفقد القدرة على البقاء فيها.
"بعيدا عن الرجال" فيلم يوظف الصورة والسيناريو والأداء والموسيقى، بتناغم مدهش، حيث تعمل جميعها في اتجاه واحد، لتجعل من الحكاية سؤالًا مفتوحًا حول الهوية والاستعمار والحياد والانتماء. وهذه هي قيمته الحقيقية، أنه فيلم ينتهي على الشاشة، لكنه لا ينتهي في ذهن المشاهد، بل يتركه أمام أسئلة مقلقة عن الإنسان وموقعه من التاريخ والأرض.