لم يعد التوجيهي في وطننا مجرد مرحلة دراسية تقاس بها معارف الطلبة وقدراتهم بل تحول بفعل التخبط البيروقراطي والقرارات العشوائية لوزارة التربية والتعليم إلى كابوس وطني يطارد الأسر ويدفع بفلذات أكبادنا نحو الشتات والغربة والمجهول
حين تضطر فتاة في ربيع عمرها الثامن عشر ابنة الكرك الأبية سليلة لواء عي الذي لطالما كان منبعا للعلم والرجولة والوعي أن تحزم حقائبها وتقطع آلاف الكيلومترات إلى أرض اليمن باحثة عن حق طبيعي في نيل شهادة الثانوية العامة فإننا لسنا أمام واقعة سفر عادية بل أمام فاجعة وطنية تستوجب محاكمة النهج التعليمي القائم برمته
آمنة الرواشدة تلك الصبية النقية التي ودعت أهلها على أمل أن تعود إليهم بثوب النجاح والشهادة عادت بعد يوم واحد من وصولها محمولة على الأكتاف شهيدة للعلم والبحث عن الكرامة الأكاديمية ماتت آمنة في الغربة قبل أن تلمس ورقة الامتحان وقبل أن تزف فرحتها لوالديها المكلومين لتوجه بموتها صفعة مدوية في وجه كل مسؤول جلس في برجه العاجي ووراء مكاتبه المكيفة ليصدر قرارات التضييق والتعنت دون أدنى اكتراث بمآلات تلك القرارات على أبناء وبنات هذا الوطن
وهنا نقف ونسأل بملء الفم وبصوت الحق: دم آمنة في رقبة من؟
هل في رقبة القدر وحده كما سيحاول التنصل من اعتادوا الهروب من المسؤولية؟ أم في رقبة سياسات تربوية عاجزة حولت قاعات الامتحان إلى مقاصل وتعليمات التوجيهي إلى حقول ألغام وأغلقت أبواب الأمل في وجوه جيل كامل حتى باتت بلاد الصراعات والمخاطر ملاذا أرحم في نظر طلبتنا من تعسف لجانكم وقراراتكم الارتجالية؟
إن خروج طلبتنا بأفواج سنوية صوب تركيا ومصر واليمن وغيرها ليس ترفا بل هو لجوء تعليمي قسري تسببت به منظومة جعلت من التعقيد إنجازا ومن التضييق هيبة زائفة للمؤسسة لقد خذلتم هذه الزهرة الكركية وخذلتم قبلها آلاف الأسر التي ترهق ميزانياتها وتدمى قلوبها خوفا على مصير أبنائها في بلاد الغربة
رحلت آمنة وتركت وراءها حزنا يعتصر قلب الكرك ولواء عي وعارا يلاحق كل من تسبب في تهجيرها وتهجير أقرانها العزاء الحار لوالديها الصابرين ولأهلنا في الكرك والرحمة الواسعة لشهيدة العلم أما القائمون على وزارة التربية والتعليم فنقول لهم: لا تظنوا أن الحبر الذي توقعون به تعليماتكم جاف فبعضه كتب بدموع الأمهات وحسرة الآباء وبدم آمنة الذي سيظل شاهدا على إفلاسكم الإداري والأخلاقي