يضع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي القادة الأوروبيين أمام فاتورة جديدة للحرب مع روسيا، بعدما طالب بتوفير 70 مليار يورو إضافية خلال عام 2027، في وقت تواجه فيه كييف احتياجات مالية وعسكرية متزايدة، بينما تتصاعد داخل الاتحاد الأوروبي الأسئلة بشأن مصادر التمويل وقدرة الدول الأعضاء على مواصلة الدعم بالمستويات المطلوبة.
وجاء الطلب خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، حيث سعى زيلينسكي إلى حشد دعم إضافي لبلاده في ظل استمرار الحرب وتضرر البنية التحتية الأوكرانية بفعل الضربات الروسية. ووفق ما نقلته رويترز، قدّر الرئيس الأوكراني كلفة الحرب على بلاده بنحو 155 مليار يورو في العام المقبل، وهو رقم يعكس حجم الضغوط التي تتوقع كييف مواجهتها مع دخول الحرب عاماً جديداً.
ولا يمثل المبلغ تعهداً أوروبياً جديداً جرى إقراره، بل طلباً أوكرانياً يتعين على الدول الأوروبية بحثه ضمن نقاش أوسع بشأن سد الفجوة التمويلية وضمان استمرار قدرة كييف على الدفاع عن نفسها. وتبرز هنا معضلة الاتحاد الأوروبي: الحفاظ على الدعم لأوكرانيا من جهة، وتدبير الموارد في ظل أعباء اقتصادية وضغوط داخلية متزايدة من جهة أخرى.
ويأتي طلب زيلينسكي في أعقاب اتفاق أوروبي سابق على تقديم قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا لتغطية احتياجاتها المالية والدفاعية خلال عامي 2026 و2027. وأقر الاتحاد الإطار القانوني للقرض في أبريل الماضي، على أن يساعد في تغطية الاحتياجات العاجلة للموازنة وتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية.
لكن وجود هذا القرض لا يعني أن جميع الاحتياجات المستقبلية قد حُسمت. فقد أشار قادة أوروبيون في وقت سابق إلى فجوة تمويلية متبقية، فيما أعاد طلب زيلينسكي الجديد فتح النقاش حول حجم الموارد التي ستحتاجها كييف في العام المقبل، والجهات التي ستتحمل العبء الإضافي.
وقال رئيس الوزراء الإستوني كريستن ميشال، في تصريحات نقلتها رويترز الجمعة، إن الاتحاد الأوروبي قد يضطر إلى تقديم قرض جديد لأوكرانيا للمساعدة في سد عجز موازنتها للعام المقبل ومواصلة تمويل الحرب. ويعكس هذا الموقف إدراكاً لدى بعض العواصم الأوروبية بأن الالتزامات الحالية قد لا تكون كافية لتغطية الاحتياجات المتوقعة، وإن كان الاتفاق على آلية تمويل جديدة لا يزال يحتاج إلى تفاهمات سياسية ومالية.
وتبقى كيفية توفير الأموال موضع نقاش. فالقروض الأوروبية تتيح توزيع الأعباء على مدى زمني أطول، لكنها تثير أسئلة بشأن الضمانات ومصادر السداد، فيما يظل استخدام العائدات المرتبطة بالأصول الروسية المجمدة أحد المسارات المطروحة في السياسة الأوروبية، وسط اعتبارات قانونية وسياسية تتعلق بكيفية التعامل مع تلك الأصول.
لا يقتصر التحدي على تأمين الأموال، بل يشمل أيضاً الحفاظ على توافق سياسي بين الدول الأعضاء حول حجم الدعم وشروطه. فالحكومات الأوروبية تتحرك في بيئة تتزايد فيها الضغوط المرتبطة بكلفة الطاقة والإنفاق العام والأولويات الداخلية، فيما تتباين المواقف بشأن توزيع الأعباء المالية ومدة استمرار الالتزامات تجاه كييف.
وتواجه المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء مهمة الموازنة بين الاحتياجات العسكرية الأوكرانية ومتطلبات استمرار الخدمات العامة والإنفاق المدني. فالحرب لا تفرض كلفة على شراء الأسلحة والذخائر فحسب، بل تستنزف موارد الدولة وتزيد الحاجة إلى إصلاح البنية التحتية المتضررة والحفاظ على عمل المؤسسات والخدمات الأساسية.
ويمنح استمرار الدعم الأوروبي أوكرانيا قدرة أكبر على الصمود في مواجهة روسيا، لكنه يضع الحكومات المانحة أمام ضرورة إقناع ناخبيها بأن المساعدات تحقق هدفاً سياسياً وأمنياً واضحاً، ولا تتحول إلى التزام مفتوح من دون أفق لإنهاء الحرب.
وتزداد هذه الحسابات تعقيداً مع استمرار الخلافات بشأن المسار الدبلوماسي. فكييف تريد ضمانات مالية وعسكرية تحافظ على قدرتها التفاوضية، بينما يواجه الأوروبيون سؤالاً بشأن المدة التي يمكنهم خلالها تمويل الحرب بالمستويات التي تطلبها أوكرانيا، في ظل عدم وجود تسوية نهائية تضع حداً للقتال.
ويعكس طلب زيلينسكي أن التمويل بات جزءاً أساسياً من معركة أوكرانيا، لا يقل أهمية عن الإمدادات العسكرية والدعم السياسي. فالعجز عن توفير الموارد اللازمة قد ينعكس على قدرة كييف على شراء المعدات والحفاظ على الجاهزية الدفاعية، بينما يؤدي استمرار تدفق الأموال إلى إبقاء العبء المالي للحرب حاضراً على جدول أعمال العواصم الأوروبية.
ومع ذلك، فإن طلب 70 مليار يورو لا يعني أن أوروبا وافقت على دفع المبلغ، كما لا يحسم وحده الشكل الذي ستتخذه المساعدة أو توزيعها بين القروض والمنح والدعم العسكري. فالقرار يتطلب توافقاً بين الدول الأعضاء، وتحديداً لمصادر التمويل، وموازنة بين احتياجات أوكرانيا والقدرة المالية والسياسية للاتحاد.
وبينما تستعد كييف لعام جديد من الحرب، تبدو بروكسل أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على التزامها بدعم أوكرانيا، ومنع تحوّل التمويل إلى مصدر انقسام بين أعضائها. أما زيلينسكي، فيسعى إلى ضمان ألا تتحول فجوة التمويل إلى فجوة في القدرة على مواصلة القتال، في وقت لا تزال فيه نهاية الحرب بعيدة عن الحسم.