بدأت أزمة مضيق هرمز تترك آثارها على الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، بعدما قررت بكين تجميد جميع تراخيص تصدير الوقود إلى أجل غير مسمى، في خطوة قد تزيد ضغوط سوق الطاقة العالمية وتدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع. ووفق تقرير نشرته مجلة "ذي إيكونوميست"، جاءت الخطوة الصينية بعد أسبوع فقط من دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ، خلال لقائهما في واشنطن في 24 سبتمبر/أيلول، إلى زيادة صادرات الوقود الصينية للمساعدة في سد النقص العالمي بالديزل.
لكن رد الصين كان معاكساً تماماً، إذ أوقفت بكين إصدار تراخيص تصدير الوقود اعتباراً من الأول من أكتوبر/تشرين الأول. وكانت الصين التي كانت في السابق أكبر مشترٍ للنفط الخليجي، قد تعاملت حتى الآن بمرونة لافتة مع أزمة هرمز. وبين إبريل/نيسان ويونيو/حزيران، خفّضت وارداتها من الخام إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً، أي إلى النصف تقريباً، مستفيدة من مخزونات نفطية ضخمة بنتها على مدى سنوات.
لكن هذا المخزون بدأ يتآكل. وتقدّر "ذي إيكونوميست" أن مخزونات الصين من الوقود انخفضت بنحو 65 مليون برميل منذ بداية الحرب، إلى نحو 300 مليون برميل، فيما أصبح جزء من المخزون المتبقي مخصصاً فقط لتلبية الشروط المطلوبة للحصول على تراخيص التصدير. وتكمن المشكلة في أن نظام إدارة النفط الصيني شديد التحكم بدأ يولّد آثاراً عكسية. فالشركات النفطية الكبرى سارعت إلى شراء كميات ضخمة من الوقود من المصافي الصغيرة، وإلى تأمين الخام من الأسواق العالمية خشية عودة حظر التصدير بصورة مفاجئة.
وفي سبتمبر، عندما ارتفعت أرباح تصدير الديزل إلى مستويات قياسية، استعجلت المصافي الصينية شراء الخام، بل طلبت شحنات للتسليم خلال أربعة أسابيع بدلاً من جدول الشراء المعتاد الذي يمتد لنحو أربعة أشهر. وأدت هذه المنافسة إلى تشويه أسواق النفط العالمية، بحسب المجلة. فقد عاد خام برنت إلى نحو 100 دولار للبرميل، فيما أصبح سعر الخام للتسليم الفوري أعلى بنحو 25 دولاراً من العقود التي تستحق بعد أسابيع.
وقفزت كلفة نقل برميل الخام العُماني إلى الصين إلى نحو 36 دولاراً، مقارنة بـ1.50 دولار فقط في بداية العام. وتواجه الصين في الوقت نفسه معضلة داخلية. فأسعار الوقود بالجملة ارتفعت بقوة مع زيادة كلفة الخام، بينما لم ترتفع أسعار التجزئة التي تتحكّم بها الحكومة بالوتيرة نفسها، ما جعل بعض المصافي أقل حماساً للإنتاج للسوق المحلية.
وتشير "ذي إيكونوميست" إلى أن الصين تحتاج إلى استيراد ما بين 9.5 و10 ملايين برميل من النفط يومياً للمحافظة على استقرار إمدادات المنتجات المكررة من دون استنزاف مخزونها من الخام، أي بزيادة نحو مليوني برميل يومياً عن مشترياتها في سبتمبر/أيلول. وهنا تكمن التداعيات العالمية. فالصين كانت تمثل في سبتمبر نحو 8% من صادرات العالم من الديزل والبنزين ووقود الطائرات، فيما يُتوقع أن تنخفض صادراتها من هذه المنتجات بنحو 40% في أكتوبر.
وإذا اضطرت بكين إلى تعويض النقص بشراء كميات أكبر من السوق العالمية، فقد تدفع أسعار الخام إلى مستويات أعلى. وفي المقابل، أمام السلطات الصينية خيارات مكلفة جميعها: السماح بارتفاع أسعار الوقود محلياً، أو إجبار المصافي الحكومية على البيع بخسائر تتحملها الدولة، أو السحب بوتيرة أكبر من احتياطيات النفط الاستراتيجية. وتقدّر احتياطيات الصين من الخام حالياً بنحو 1.1 مليار برميل، أي ما يعادل نحو 100 يوم من وارداتها قبل الحرب، لكن بكين تبدو مترددة في استنزاف هذا المخزون الذي يشكّل خط دفاعها الأخير أمام أزمة طاقة طويلة.