لسنوات طويلة كان الظهور في نتائج محركات البحث مؤشراً على الحضور الرقمي للأفراد والمؤسسات والشخصيات العامة. لكن مع التحول المتسارع نحو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة للحصول على المعلومات، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه: كيف يعرف الذكاء الاصطناعي الأشخاص؟ وهل يمكن قياس مدى حضورهم داخل النماذج التي يعتمد عليها ملايين المستخدمين يومياً؟
هذا السؤال يقف وراء موقع جديد يحمل اسم In the Weights، وهو مشروع يحاول قياس مدى رسوخ أسماء الأشخاص داخل ذاكرة نماذج الذكاء الاصطناعي، بعيداً عن نتائج البحث التقليدية أو الصفحات المنشورة على الإنترنت.
من نتائج البحث إلى ذاكرة النماذج
يعتمد مفهوم In the Weights على فكرة أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تسترجع المعلومات دائماً من الإنترنت مباشرة، بل تستند في كثير من الأحيان إلى المعرفة التي اكتسبتها خلال مراحل التدريب. ويشير مصطلح "Weights" إلى الأوزان الرقمية التي تشكل البنية الداخلية للنموذج وتحدد طريقة فهمه للمعلومات وإنتاجه للإجابات.
وبناء على ذلك، يحاول الموقع معرفة ما إذا كان اسم شخص معين حاضراً داخل المعرفة المخزنة في هذه النماذج، ومدى قوة هذا الحضور مقارنة بغيره.
ولتحقيق ذلك، يوجه الموقع أسئلة متشابهة إلى عدد من النماذج الشهيرة، من بينها Grok وGemini وClaude وLlama وإصدارات مختلفة من GPT، ثم يجمع الإجابات ويقارنها ويحولها إلى درجة رقمية تعكس مدى قدرة هذه النماذج على التعرف إلى الشخص وتقديم معلومات عنه.
سباق جديد على الحضور الرقمي
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى لعبة أو تجربة فضولية، لكنها تعكس تحولاً حقيقياً في طريقة وصول الجمهور إلى المعلومات. فبدلاً من كتابة اسم شخص في محرك بحث، أصبح كثيرون يطرحون السؤال مباشرة على روبوتات الدردشة، ما يمنح هذه النماذج دوراً متزايداً في تشكيل الصورة العامة للأفراد.
وفي هذا السياق، لا يقيس In the Weights عدد الصفحات التي تتحدث عن شخص ما، بل يقيس مدى حضور هذا الشخص داخل المعرفة التي تمتلكها النماذج نفسها. وكلما زادت قدرة النماذج على التعرف إلى الاسم وتقديم معلومات متشابهة عنه، ارتفعت درجته داخل الموقع.
وتتصدر شخصيات فنية وإعلامية وثقافية معروفة قائمة النتائج، ما يشير إلى أن الشهرة التقليدية ما تزال تلعب دوراً مهماً في تشكيل ذاكرة الذكاء الاصطناعي، وإن كان ذلك عبر آليات مختلفة عن محركات البحث.
هل تتذكرنا الآلات فعلاً؟
يثير المشروع نقاشاً أوسع حول طبيعة الذاكرة في عصر الذكاء الاصطناعي. فوجود اسم شخص داخل نموذج لغوي لا يعني بالضرورة أن النموذج "يتذكره" بالمعنى البشري للكلمة، بل يعني أن هذا الاسم ومعلومات مرتبطة به ظهرت بصورة كافية أثناء عملية التدريب لتصبح جزءاً من المعرفة الإحصائية التي يعتمد عليها النموذج.
كما أن النتائج تختلف من نموذج إلى آخر، وهو ما يكشف أن كل نظام ذكاء اصطناعي يمتلك صورة مختلفة نسبياً عن العالم والأشخاص الموجودين فيه. ولهذا السبب يعرض الموقع النماذج التي تمكنت من التعرف إلى الاسم، إضافة إلى الإشارات التي قد تكون ناتجة عن أخطاء أو معلومات غير دقيقة.
شهرة جديدة أم وهم رقمي؟
إن فكرلة ظهور الشخص داخل ذاكرة نماذج الذكاء الاصطناعي قد يصبح مؤشراً جديداً على التأثير والانتشار في المستقبل، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على هذه الأدوات للحصول على المعلومات. في المقابل، قد يعتبر أن الأمر لا يتجاوز مقارنة إجابات مجموعة من روبوتات الدردشة وتحويلها إلى أرقام سهلة التداول.
ومع ذلك، تكمن أهمية المشروع في الأسئلة التي يطرحها أكثر من الأرقام التي ينتجها. فإذا كانت محركات البحث قد شكلت خلال العقدين الماضيين معياراً للحضور الرقمي، فإن صعود الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام معايير مختلفة قد ترتبط بمدى ظهور الأشخاص داخل النماذج نفسها، لا داخل صفحات الويب فقط.
مستقبل السمعة في عصر الذكاء الاصطناعي
لا يقتصر طموح مطوري In the Weights على إنشاء لوحة ترتيب للأسماء، بل يمتد إلى دراسة الفروق بين النماذج المختلفة وفهم الشخصيات التي تحظى بحضور أكبر داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى رصد الفجوات المعرفية والأسماء التي لا تزال غائبة عن هذه النماذج رغم حضورها في الواقع.
ومع استمرار توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، قد يصبح السؤال مستقبلاً أكثر تعقيداً من مجرد "ماذا يظهر عنك في جوجل؟"، ليصبح: ماذا يعرف عنك الذكاء الاصطناعي عندما يُسأل عنك؟