الشريط الإعلامي

جرادات يكتب: تدهور القطاع الصحي .. خسارة لنا جميعا

آخر تحديث: 2022-11-12، 10:32 am
د.محمد عبدالستار جرادات
أخبار البلد ــ فقدان دولة كالأردن للأطباء المتمرسين والأجهزة الطبية يعد خسارة فادحة لنا جميعا، فهجرة الكفاءات الطبية إلى دول الجوار خلفت نقصا حادا في مختلف التخصصات الطبية والمهن ذات الصلة، والسبب الرئيس هو تدني الرواتب والرغبة في تحسين الأوضاع المعيشية لتلك الخبرات. وبحسب ما يرى مختصون ومسؤولون سابقون؛ فإنه لم يعد مقبولا إحالة الأطباء إلى التقاعد مع بلوغهم سن الستين، بل عدلت القوانين بما يكفل بقاءهم لسن السبعين للاستفادة من خبراتهم على تأهيل الأطباء الأصغر سنا.

برزت مشكلة النقص في ظل جائحة كورونا، يعود ذلك إلى العدد الهائل لمراجعي المستشفيات الحكومية، ما رتب أعباء مضاعفة على عاتق الكوادر الطبية. علاوة على ذلك؛ أسهم انتشار المراكز الطبية في الأردن في مساندة القطاع الطبي إلى حد بسيط، وذلك بسبب عدم تأسيس تلك المراكز على الأسس العلمية الصحيحة، والتي كانت تفتقر للكثير من الأجهزة الضرورية، فتحولت إلى عبء على الوزارة بسبب تفاوت الرعاية الصحية فيها، ولجوئها إلى تحويل مكثف للمرضى إلى المستشفيات، مما زاد الضغط على الكوادر العاملة كمحصلة.

تعد المملكة واجهة علاجية للكثير من الدول، فقد كانت الأولى في الشرق الأوسط والخامسة عالميا في السياحة العلاجية، وما تزال مصدر للكفاءات الطبية من أطباء وممرضين وصيادلة وفنيين مختبرات وجميع التخصصات الأخرى. يؤسفنا ويؤلمنا خسارة تلك الخبرات للدول المجاورة، وعلى رأسها دول الخليج الشقيقة. ولكن ألا يجب أن نأخذ بالأسباب؟ إن الطبيب في القطاع الحكومي، لديه مناوبة لكل ثلاثة أيام، ووفق نظام الخدمة المدنية، يحدد للموظف عدد من المناوبات شهريا، ولكن وفي أغلب الأحيان، تتضاعف عدد المناوبات نسبة لارتفاع عدد المراجعين، دون تقاضي أجر إضافي، كما ينطبق هذا الوضع على كوادر التمريض والصيادلة، مما يولد ضغوط نفسية دون مقابل، الذي بدوره يؤدي إلى نقص في المخرجات.

تحتاج وزارة الصحة إلى زيادة كوادر الجهة الرقابية المتخصصة في الميدان وعلى مواقع التواصل الإجتماعي، فهناك تجاوزات يومية في المستشفيات والمراكز و صالونات التجميل على وجه الخصوص. إذ أن معظم الحالات التي تم تحويلها إلى المستشفيات بسبب أخطاء طبية حصلت داخل صالونات التجميل، فكيف تسمح الوزارة أن يقوم عاملي تلك الصالونات بإجراء عمليات جراحية داخلها دون تخويل، أو ترخيص أو حتى دون توفر الأجهزة اللازمة لتلك العمليات؟ تأتي تلك التجاوزات لعدم وجود هيئة رقابية متخصصة، فمن أين أتت تلك الصالونات بالأجهزة لديها؟ وكيف يتم بيعها لمن دون حملة التصريح بذلك، ومن الجهة المسؤولة عن بيع المعدات الطبية، من أجهزة وإبر وأدوية وأدوات أخرى؟ أيضا، ومن شروط ترخيص وزارة الصحة وأمانة عمان (أو البلديات للمحافظات)، أن تقوم المستشفيات والمراكز بالتعاقد مع شركات متخصصة بالتخلص من النفايات، أين هذا من الواقع؟

من ناحية أخرى، تتعرض الكوادر الطبية في المملكة للإجحاف من ناحية الرواتب مقارنة بدول أخرى، حيث تتعدى رواتبهم أضعاف ما يتقاضونه في القطاع الطبي الأردني. ومن هذا المنطلق؛ كانت بداية تردي الوضع الصحي في القطاع العام في المملكة، وأنتج نقصا شديدا في الكوادر الطبية برمتها، إذ أن القطاع الصحي لا يقوم على الأطباء وحدهم، فالطبيب يحتاج إلى ممرض وصيدلاني وفني مختبر وطبيب تخدير وفني أشعة، كلها منظومة صحية يجب أن تكون متكاملة.

أشار تقرير ديوان المحاسبة لعام 2019/2020 على العديد من المخالفات المالية والإدارية لوزارة الصحة، تعلقت بهدر المال العام وصرف حوافز بدون داع.....الخ. ووفق التقرير، لم يتم تسديد سلف منذ 37 عاما بحجة عدم توفر الأسماء الرباعية! بالإضافة إلى ذلك، تواجه تعيينات المناصب القيادية في الوزارة نقدا لاذعا، فهناك اعتقاد بأن الكثير من المناصب القيادية تولاها أشخاص دون وجه حق، وهناك مطالب بتمكين الكفاءات من العبور في القطاع إلى بر الأمان، والبناء على انجازات أردنية تحققت في وقت سابق.

هناك بعض الحلول المقترحة لمعالجة جزء من الترهل لدى القطاع، كتوسيع البنية التحتية الصحية، وكتأسيس هيئة رقابية مستقلة تابعة للوزارة تكون مهامها الأساسية المراقبة والتفتيش على المراكز وصالونات التجميل. أيضا ولا بد، من إنشاء مراكز تدريبية للكوادر الطبية كافة، تكون مسؤولة من أشخاص ذوي خبرة وتجارب كبيرة في القطاع، كمتقاعدين المستشفيات الحكومية والعسكرية. وأخيرا، نقترح أيضا عقد دورات تدريبية لطلاب القطاع المعني مع دول غربية، للإستفادة من الخبرات الأجنبية. من جهة أخرة، نقترح أيضا إنشاء سجل عام بأسماء الأطباء وتخصصاتهم في القطاعي العام و الخاص ليكون بمثابة مرجع لدى العامة، لتفادي جميع الاخطاء التي قد تحدث وتؤدي إلى ضرر بالمواطنين، وتكون الهيئة الرقابية كجهة تفتيش على من يدعي أو يجسد شخصية طبيب ويلعب دوره.

مشكلة القطاع الصحي عميقة وأبعد من الإهمال والتقصير، وقد بدأت من الترهل بجميع أنواعه وصولا إلى الأنظمة التي تحد من تفعيل مبدأي العقاب والثواب، والخلل في العطاءات. حفظ الله الأردن تحت ظل الرعاية الهاشمية الحكيمة من كل مكروه.

خبير اقتصادي