أخبار البلد – سعد الفاعور
لا يزال الأردنيون ومنذ 48 ساعة يتندرون من الأنباء التي راجت عن احتمال الحجز على أموال نائب رئيس وزراء أسبق في حال عدم دفعه 886 ديناراً إلى سلطة المياه!
رغم الشغف الكبير الذي يبديه الأردنيون تجاه مكافحة الفساد وسطوة بعض النافذين على المال العام، إلا أن الخبر استحق الكثير من التندر بين الأردنيين، الذين تساءلوا: كيف يمكن أن نائب رئيس وزراء سابق ووزير عمل سابق، ويتولى حالياً مقعداً قيادياً في أحد الأحزاب، معرض هو وأشقاؤه للحجز على أموالهم في حال عدم دفع مبلغ 886 ديناراً واجبة السداد لصالح خزينة سلطة المياه؟!
سبب التندر، كما كشفته صفحات عديدة في مواقع التواصل الاجتماعي، هو أن الشفافية الحكومية وفاعلية ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وآليات الرقابة الذاتية، لا تظهر بفعاليتها القصوى إلا في المبالغ التافهة والصغيرة، بينما المليارات المهدورة التي يتنعم سارقوها بالقصور والاستثمارات بين لندن وموسكو وباريس وتركيا ودبي وجزر الباهاماس والكاريبي، فلا يوجد جهة رقابية تسأل عنها، رغم أنه لو يتم جمعها فإنها ستعفي الأردنيين لعشر سنوات مقبلة من دفع الضرائب الجائرة!
يحق فعلاً للأردنيين أن يتندروا بل أن يسخروا بشدة لاذعة، من الرقابة الحكومية التي تعاني من حول في عين وعور في الأخرى. خاصة وهي تعجز عن قراءة تقارير ديوان المحاسبة التي تعج بالمئات من قضايا الفساد الكبرى، وبمئات الملايين، في وزارات الصحة والزراعة والمياه والأشغال.
فهل يعقل أن حول وعور الحكومة منعها من رؤية التجاوزات التي أشار إليها تقرير ديوان المحاسبة في وزارة الصحة لعام 2015، والتي لم يتم تحريك ساكن بشأنها؟
ولماذا لم تتحرك الحكومة للتحقيق في عدم تحويل المساعدات والتبرعات التي تقدم للوزارة بمقتضى اتفاقيات مع حكومات ومؤسسات وهيئات خارجية إلى وزارة المالية لتقييدها كأمانة باسم الوزارة، وهي مبالغ بالملايين؟
ولماذا لم تحقق الحكومة في ما تضمنه التقرير عن شراء مواد لصيانة عدد من مباني المديريات والمراكز الصحية من مؤسسة خاصة، مع وجود فروق سعرية وزيادة مبالغ بها عن أسعار السوق بنسبة تتراوح بين 40% و500%؟
ولماذا لم تحقق الحكومة في كون ملكية هذه المؤسسة التي وردت مواد البناء والصيانة تعود إلى زوجة موظف سابق في الوزارة؟
ولماذا لم تحقق الوزارة في فاتورة سحب مياه عادمة من حفر امتصاصية لسبع مستشفيات حكومية بمبلغ يزيد عن نصف مليون دينار (591 ألف دينار)؟!
ولماذا لم تحقق الحكومة في ما تضمنه التقرير عن صرف سيارات للوزير وكبار مدراء الوزارة وعدم تحديد سقف أعلى لمصروفات المحروقات الشهرية. ولماذا لم يتم التحقيق في شراء أجهزة "آيفون" للاستخدام الرسمي، ولم يتم إعادتها إلى أملاك الوزارة رغم انتهاء خدمات من صرفت لهم؟
ولماذا لم تحقق الحكومة بصرف وزارة التنمية الاجتماعية معونات تزيد عن تتراوح بين 200 – 400 ألف لأشخاص متوفين؟
لماذا لم يتم التحقيق بما تضمنه التقرير من مبالغ فلكية مبالغ بها أنفقت على رؤساء الجامعات الرسمية ونوابهم على شكل فواتير ضيافة ومحروقات ومياومات وبدل مكالمات هاتفية أكثر من 3 ملايين دينار من بينها 268 ألف دينار بدل محروقات و120 ألف مياومات سفر، في حين بلغت مصاريف ضيافة الوفود الرسمية مليون و650 ألف دينار، في حين أن المكالمات الهاتفية استنفذت مليون و200 ألف دينار، فيما تم صرف مكافآت لرؤساء الجامعات اقتربت من نصف مليون دينار!
هل يعقل أن الحكومة أعجزها الحول والعور عن رؤية كل تلك التجاوزات وباتت تلهث خلف مبلغ 886؟ هل يعقل أن الحكومة نسيت أن وزير عمل سابق اشترى طقم كاسات لضيافة الشاي عدد (24 كاسة) بمبلغ 180 ديناراً؟. هل يعقل أن الحكومة نسيت أن محامي سلطة العقبة الاقتصادية تقاضى أكثر من نصف مليون دينار بدل أتعاب دون إبرام عقد أو اتفاقية رسمية معه؟
هل يعقل أن الحكومة نسيت أنه أنفق أكثر من 37 ألف دينار على المحامي تحت بند بدل إقامة في الفنادق، و15 ألف بدل أثمان تذاكر؟!
هل يعقل أن الحكومة نسيت ملف المستشار العمالي لدى سفارة المملكة في ليبيا والذي كبد خزينة الدولة بدل علاوات شهرية تزيد عن 87 ألف دينار شهرياً، كبدل تعليم وسكن وبدل تمثيل، وعلاوة نقل؟!
الشعب الأردني مقهور، ومن حقه أن يتندر وأن يسخر، وعلى الحكومة أن تكف عن الاستخفاف به، وأن تتصرف بجدية تجاه ملفات الفساد الكبرى، وعدم إلهاء الرأي العام بقضايا صغيرة، يبدو الهدف منها تشتيت الشارع عن القضايا الكبرى.