الحكومة الأردنية تساعد على الفساد، وتضغط باتجاه تفكيك الدولة اقتصادياً..؟!
كتب تحسين التل:- عند الحديث عن الفساد، ومظاهره، وإفرازاته، وارتداداته، وأسبابه؛ علينا أن لا نغفل دور الحكومة في مساعدة الفاسد على فساده، ودعم أشباه الفاسدين في تكوين الثروات بسرعة قياسية، عن طريق فتح المجال أمامهم، أو تمهيد، وتعبيد الطرق التي تكفل وصولهم الى أقرب طريق للإثراء غير المشروع، ولبيان ذلك نضع النقاط على حروف المشاكل والمصائب التي تسببها الحكومة، ويستخدمها الفاسد للارتزاق من مال الشعب:
قبل أن ترفع الحكومة الأسعار؛ تعلن عبر الصحف، وعبر أدواتها الإعلامية المختلفة؛ أن هناك رفع لأسعار الغذاء والدواء، أو المحروقات، أو التبغ بكافة أصنافه وأنواعه، ومن هنا تبدأ الكارثة، والمصيبة التي تسقط على رأس الشعب الأردني، وذلك بتسارع وتيرة الشراء غير المنظم، والتخزين البسيط الذي لا يكفي المواطن عدة أيام؛ هذا في حال توفر المال اللازم للتخزين. يقابله تخزين هائل من قبل التجار لمادة البنزين، والكاز، والسولار، ولا يكون التخزين في محطات تعبئة الوقود، وإنما يتم نقله في صهاريج تابعة لصاحب المحطة ليخزن في مستودعات بعيدة عن الرقابة، وبعد رفع أسعار المحروقات؛ تعاد الكميات بالتدريج الى المحطة حتى تباع بالأسعار الجديدة التي يتحملها المواطن؟! والحكومة (وزارة المالية) تحصل على فرق السعر من المواطن نفسه، وهنا تعرض الشعب الى عمليات نصب واحتيال من قبل التاجر والحكومة على حد سواء.
المحور الآخر؛ يتعلق بعملية رفع التبغ، والدخان، وما يتعلق به من احتياجات المدخن: إذ لا تراع الحكومة أن هناك ملايين الأصناف تتكدس في المحلات، والمولات، وعلى أرصفة الشوارع تعد ثروة بمئات الملايين، وأن أي خلل في عملية الرفع ستكون نتائجها وخيمة على المواطن المبتلى بالتدخين، وأن العملية ستعود بالفائدة على التاجر الكبير نزولاً الى تجار التجزئة، والمواطن هو الخاسر الوحيد في عملية الرفع، ومع أنه سيعمد الى شراء كميات من الدخان ستكفيه لعدة أيام، إلا أنه سيفشل في نهاية المطاف، ويعود بعد مدة وجيزة لشراء التبغ بالسعر المرتفع. وما ينطبق على التدخين ينطبق على المشروبات الروحية، وهنا يبرز عامل خطير جداً على البيئة، وعلى صحة المعاقر؛ للتبغ، والمسكرات، يتمثل في ظهور نوعيات رديئة جداًَ من التبغ؛ يلتجئ إليها المواطن مع ارتفاع الأسعار، ونوعيات رديئة أيضاً من المسكرات تقوم المصانع بإنتاجها لتكون في متناول يد الفقير، ومتوسط الحال، والغني القادر على شراء أفضل أنواع التبغ، والمشروبات الروحية.
ساعدت الحكومة في بداية رفع أسعار القمح؛ ثلة من صغار التجار الفاسدين، على التحكم في أسعار القمح، والطحين، وتهريبه الى مصانع الشيبس، والصناعات الغذائية المتعددة، ووصل الحال عند البعض أن قاموا ببيع الطحين الى تجار المواشي حتى يقدم طعاماً للماشية، ويحرم منه المواطن بأسعار تفضيلية، أو على نظام الدعم. فالقمح تدعمه الحكومة بأكثر من ثلاثة أضعاف سعره الأصلي، ويباع للمطاحن، وفيما بعد للمخابز بحوالي مائة دينار، ويباع للمواطن بالسعر المدعوم، لكن الصعاليك من تجار المال الحرام قاموا بشراء الطحين بالسعر المدعوم للطن الواحد؛ وباعوه لتجار الماشية، أو للمصانع بأقل من سعره الفعلي (يتجاوز سعر الطن 400 دينار) ليحققوا ثروات هائلة خلال عدة سنوات. ومع أن الدولة شددت الرقابة على الناقلين، والتجار، والمخابز؛ إلا أن الكميات التي لا زالت تتسرب الى السوق السوداء أكبر بكثير مما يتم ضبطه بواسطة المفتشين.. والسوق أيضاً ممتلئ عن بكرة أبيه بالأجهزة الكهربائية، والسيارات، والبضائع المختلفة، ومن غير المنطقي أن تقوم الحكومة برفع الأسعار دون أن تحمي أو توفر حماية لأموال المواطن التي يتنافس جميع العاملين في الدولة، والتجار، واللصوص؛ للسيطرة عليها. لن نقول هذا حرام؟!، بل هذا يهدد أمن الوطن، ويزعزع استقرار البلاد، ويعمل على تدمير الاقتصاد الوطني، ويجعل من الأرض الأردنية أرضاً محروقة اقتصادياً، لا جدوى من إنشاء المصانع والشركات والاستثمارات الكبرى عليها، وربما يتم تفكيك وتهريب شركات ومصانع وبنوك ونقلها الى دول أكثر استقراراً من الناحية الاقتصادية.
الدولة الأردنية تعرضت الى هزات كانت ستؤدي بها الى التهلكة لولا عناية الله جل وعلا، وتغيير السياسة العامة قبل فوات الأوان.. في الثمانينات وتحديداً عام 1988 تعرضت الدولة الى هزة كبيرة بسبب سياسة الرفاعي التدميرية، مما أدى الى انخفاض سعر صرف الدينار الأردني الى النصف، وبيع احتياطي الأردن من الذهب والعملات الصعبة، وبعد استقرار الأوضاع الاقتصادية نوعاً ما؛ جاءت هزة أكبر وأقوى أدت الى زعزعة استقرار الدينار، وخروج كميات ضخمة من العملات الصعبة وعلى رأسها الدولار، وتحكم كبار التجار بأسعار المواد الغذائية، والمحروقات، والأجهزة الكهربائية، والسيارات. وتحملت الدولة بفعل قوة، وإصرار، وتحمل المواطن الأردني؛ لكن الى متى سيبقى الإعتماد على المواطن في كل شيء..؟!
آخر القرارات التي أهلكت الدولة كانت في بيع الميناء الذي كان يعطي الدولة مئات الملايين من الدولارلات في كل عام، وخصخصة كثير من الشركات كانت تبيض ذهباً لموازنة الدولة، وهروب التجار واللصوص بثروات البلد دون أن يجرؤ القضاء، والحكومة، وأجهزتها الأمنية أن تعيد ما تمت سرقته..!
الدول التي تحترم نفسها، والشعوب المؤثرة تقاضي حكوماتها، وتنزل فيها أقسى العقوبات؛ إذ لا يجوز أن يتحمل المواطن مصائب الحكومة، وقرارات المسئولين الخاطئة، وفساد التجار، والمساهمين في تدمير الإقتصاد، والهاربين بالجمل بما حمل دون أن يكون هناك عقاب رادع.. الشعوب تحاسب الحكومات طال الزمان أم قصر، وسيكون الحساب عسيراً، والتجارب من حولنا كثيرة، ولا زالت ساخنة، والمياه تغلي على نار الفساد..