عندما تركنا الحمار وهاجمنا البردعة ..
إجتهدت محطة ‘رؤيا’ الأردنية الخاصة، التي تتفوق بوضوح على كل وسائل الإعلام الرسمي، وهي تحاول دفع الفرقاء للتحاور، بدلا من إطلاق التهديدات والتلويح بكل شيء معاكس للسلم الأهلي.
الشارع السياسي الأردني ملغم للأسف هذه الأيام، وبدلا من التركيز على خطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، التي ستكرس إحتلال فلسطين وستبتلع الأردن بالطريق إندفعت الكثير من الأقلام والمجموعات للتنابز مرة أخرى بالألقاب، فصدرت بيانات من مجموعات نشطة تهدد الشعب الأردني بدلا من تكثيف تهديدها لكيري وجماعته.
كل البلاد في حالة جدل حول مسألة الحقوق المدنية لأبناء الأردنيات، ومرة أخرى يظهر تلفزيون الحكومة أن الإعلام الرسمي خارج التغطية، حيث ظهر النائب خليل عطية على ‘بي بي سي’ يذكر الناس بأن المسألة إنسانية وخدماتية، وفيها مصلحة للأردن، ولا علاقة لها بخطة كيري.. لكن لا حياة لمن تنادي.
إستمرأ القوم الإساءة للمكون الفلسطيني في الشعب الأردني، فقط لأن كيري يخطط هو وإدارته لتصفية القضية الفلسطينية.. وزير سابق تحدث عن الحمار والخرج، ورئيس سابق لديوان الملك طرح علي شخصيا السؤال التالي: لماذا لا تضغطون على الدولة الفلسطينية حتى تمنح كل فلسطيني جواز سفرها؟
السؤال كان علنيا وجوابي كان علنيا، وعلى الطريقة العشائرية: معالي الأخ وجهك عليها.. إعطنا دولة فلسطينية مستقلة وسنحشد الناس خلفها للحصول على جواز سفرها.
قصة الحمار والبردعة
حاولت تذكير السيد رياض أبو كركي بأن الجنسية الأردنية فرضت قسرا عام 1949على أهل الضفة الغربية بقرار أردني عطل قانون الجنسية الفلسطينية، لكن كثيرين – ومنهم مذيع مشهور ومسيس في تلفزيون الحكومة – أيدوا ‘مقالة الحمار’ الشهيرة على أساس أن من حق الأردنيين الدفاع عن بلدهم وهويتهم.
صحيح أن من حقنا كأردنيين ذلك، لكن السؤال: ندافع عن الأردن ضد من؟ فلقد تركنا الحمار وهاجمنا البردعة.. تركنا كيري وهاجمنا المواطنين الفلسطينيين الغلابى، وأبناء الأردنيات وحتى الأردنيات، رغم أن ‘الزوج الفلسطيني’ جاء في المرتبة الثالثة عدديا في قائمة أزواج الأردنيات.
وجهة نظري كانت وما زالت بسيطة: لا مبرر للهجوم على كيري وخطته بتهديد الإستقرار الأهلي في الأردن والإساءة على نحو عنصري لكرامات الناس، ويمكن مضايقة مشروع الرجل الخطير بالوحدة الوطنية فقط وبالكلمة، التي تجمع ولا تفرق، فأخوتنا أهل المخيمات في الأردن هم أول من كشف خطة كيري، وأول من فضحوها وشكلوا جبهات معارضة لها وقرعوا على مسامعنا جرس الأنذار.. علينا أن نشكرهم كأردنيين لا أن ننشر مقالات ونصدر بيانات تشكك بهم فتدفعهم لأحضان الحاج كيري.
أسهل شيء في الأردن توزيع الإتهامات المعلبة، لكن الأصعب العمل بروح الفريق لتكريس الوحدة الوطنية.. والله من وراء القصد.
خلفان وإغلاق ‘الجزيرة’!
لو كنت – لا سمح الله – في مكان الجنرال ضاحي خلفان وغضبان جدا من ‘الجزيرة’ القطرية لهذا الحد لفكرت بعدة ‘بدائل’ قبل التورط في مطلب غريب وغير منطقي من طراز ‘إغلقوا الجزيرة’.
مثلا بين يدي – وأنا أمثل أغنى إمارة في الكون – أن أبادر فورا لصناعة ‘جزيرة’ مماثلة أو نسخة إماراتية من ‘الجزيرة’ تناطح النسخة القطرية وتتفوق عليها وتتجاوزها.. هذا خيار ممكن بسبب توفر الدعم المالي بين يدي الجنرال.
بين يدي خيار أخر، وهو عقد إتفاق مع ‘الجزيرة’ يتميز بالمهنية من ذلك النوع الذي لا يتأثر بالسياسات العامة.
مثال ثالث: سأحرص لو كنت جنرالا بهذا الحجم والمستوى على تقديم روايات مهنية مستقلة مقنعة من الطراز، الذي يجبر ‘الجزيرة’ على التعامل معه يوميا، ولدي فرص لإنتاج عشرات القصص والأفلام والأخبار التي تضطر ‘الجزيرة’ لعدم تجاهلها.
ولو كنت خليجيا من الحريصين على مصالح الخليج لوضعت الأساس لعشرات النسخ النظيرة لـ’الجزيرة’حتى تعلي كلمة الخليج في العالم بدلا من التمترس وراء خطاب غريب يطالب بإغلاق المشاريع، التي لا نستطيع تقليدها أو صناعة مثيل لها لسبب وحيد وهي أنها ناجحة ومتفوقة وتؤثر في الناس.
‘الجزيرة’ لدي شخصيا عليها عشرات الملاحظات، وكل فرقها ورموزها لا تتعامل معي إطلاقا.
لكني كمشاهد عربي أحبها لسبب بسيط، وهو أنها كمنبر خليجي تصر على أن ‘لا تبصم’ للإنقلاب العسكري في مصر بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي.. أعتقد أن هذه هي حصريا مشكلة الجنرال ضاحي خلفان مع ‘الجزيرة’، وليس أي شيء آخر.
يعني صاحبنا – الذي نقدره ونحترمه ونختلف معه – يقول لـ’الجزيرة’ ضمنيا: أبصمي على الانقلاب أو إغلقي نفسك… هل هذا معقول؟!
مصنع لـ’رب البندورة’
لكن فضائيات ‘زقزق رقص’ في القاهرة تبصم بدورها وبالبسطار العسكري لصالح الإنقلاب العسكري، خصوصا وهي تتبع نفس أسلوب بعض الأردنيين في ترك الحمار ومهاجمة البردعة، وهي تحاول زرع العداء للفلسطينيين في وجدان المواطن المصري الغلبان.
– صديق لي يؤكد بأن جرعة التحريض ضد حركة حماس وقطاع غزة والفلسطينيين الواردة فقط في محطة مثل ‘القاهرة والناس′، كانت كفيلة بتقليص نفوذ إسرائيل في المنطقة، وتسديد كل الحسابات المصرية لو وجهت ضد الكيان الغاصب.
– المذيع أبو الشيالات، بتاع محطة ‘القاهرة والناس′ وفي برنامجه الأخير وضع كلمة حماس بين كل كلمتين قالهما،وكان الشيخ المحاصر إسماعيل هنية هو الذي يقود نحو 40 مليون مصري يرفضون التبصيم لصالح الإنقلاب.
- في محطة ‘العربية’ أيضا وتحديدا في البرنامج المخصص للمحروسة يحضر أشخاص غريبون بين الفينة والأخرى لديهم لحى طويلة، ويفترض أنهم ‘إرهابيون تائبون’ ويحملون وثائق وخرائط تثبت بأن حماس هي التي تقود ‘الإرهاب في سيناء’.
- وزير الصناعة المصري رفض مؤخرا عرضا تقدم به أحد مشايخ الإمارات لإقامة مصنع لـ’رب البندورة’ وتعليب الخضار في سيناء ونسبة البطالة تزيد عن 60 ‘ بين البدو.. هذا تحديدا ما يغذي التطرف في سيناء، وليس حركة محاصرة من كل العالم إسمها ‘حماس′!
بسام بدارين - مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمان