كواليس الإعلام حقيقة أم خيال؟
أخبار البلد - محمد علاونه
* لا يمكن الجزم بصدقية ما تنشره وسائل الإعلام بمختلف مسمياتها: كواليس او خفايا أو أسرار أو زواريب واسماء أخرى؛ لسببين: الأول: أنها مادة صحفية غير مكتملة العناصر، وعبارة عن تلميحات ورؤوس أقلام، والثاني: قليلا ما يراجع كاتبها كون المسؤولين والقراء على حد سواء ينشغلون بالتخمينات والضرب بالمندل، لمعرفة من كان المقصود أو كيف ومتى.
* الغريب أن تلك القفشات مقروءة بشكل غير مسبوق، وأحيانا تستغل من بعض الجهات لتكون تسريبات لمعلومات تنشر تفاصيلها لاحقاً، أو لغاية إلحاق الضرر بأحدهم من خلال التلميح دون الإشارة إليه مباشرة. بالمناسب هنالك كواليس كبرى تأخذ شكل المقالات والتحليلات، وتخدم نفس الغايات، وتحدث ضربات في بعض الأحيان، لكن الخطير إن كانت تلك القفشات مرتعاً خصباً لخيال كاتبها.
* بمناسبة الحديث عن الخيال، أذكر أن لي صديقاً كوميدياً بعض الشيء، أوكل له العمل في وكالة أنباء معروفة، ولن أخوض بالتفاصيل لكي لا ينكشف سره، المهم أن صديقنا شعر أنه تورط، ولجأ إلي لغاية المشورة، واقترحت عليه تأليف حكاية تتعلق بميناء العقة، وبالفعل كتب بما مضمونه مفاوضات لشراء الميناء، ثم بثه فورا، وأحدث ضجة حتى اضطرت الحكومة آنذاك إلى نفي الخبر، وكان مستاءً، فضحكت وقلت: «له لا عليك؛ فإن النفي يعتبر في بلادنا أمراً جيداً»، فسارع في بث نبأ الحكومة، وأذكر أن الوكالة أرسلت له كتاب شكر؛ على اعتبار أن النبأ أحدث ضجة، وشغل الكثيرين إلى درجة أن الحكومة نفت بشدة!
* تلك الكولسات انتقلت من الورق إلى الالكتروني، فتخصص كثير من المواقع زوايا تحت ذلك البند، وأحياناً تنقل ما نشرته الصحف، وتطورت تلك الكولسات إلى درجة اغتيال الشخصيات من خلال كتابة معلومات عن شخص ما تكون مسيئة، وتحت عنوان: «من هو»، أو «الشاطر يعرف»؛ ما يحول الأمور إلى شخصنة مقيتة، لا يحتملها لا صاحب الشخصية ولا القارئ!
* حتى المواد الصحفية الأخرى التي تأخذ شكل التقرير والتحليل بدأت تتشكل ككواليس، مثل قال «مصدر مقرب» أو «مطلع» أو حتى «شديد الاطلاع»! ثم تفنن البعض ليقول «مصادر قريبة من صنع القرار»! وآخر يتحدث عن «مصادر مقربة من مطبخ القرار»!
يمكن تجاهل الكواليس القصيرة المدى، لكن لا يمكن السكوت كإعلام عن تقرير أو تحليل مطول يقرر مثلاً بقاء حكومة أو مغادرتها، أو يتحدث عن قضايا مصيرية تخص الناس، وإلا تلك الكالوسة ستكون مصيبة، ووصمة عار في صناعة الإعلام ككل.