سالم الفلاحات يكتب : عندما تكون الدولة معلولة

قيل عن الدولة العثمانية في أواخر أيامها أنها دولة الرجل المريض؛ لذا كان الغرب يعد عدته لاقتسام تركة الرجل المريض فكانت معاهدة سايكس بيكو وسان ريمو، فمزقت جسدها إرباً ارباً، ومن المعيب أن تقسيم الجسد الواحد أعتبره أصحابه انتصاراً وفتحاً وتحرراً ببلاهة متناهية حتى وإن ضاعت فلسطين منهم نتيجة هذه القسمة بأكملها، فكانت لقمة سائغة للعدو الصهيوني، وتشتت العرب بتمزيق الممزق أيضاً من جديد.
تعبير الدولة المريضة يحييه الاقتصادي المفكر د. عبد الرازق بني هاني بمصطلح جديد هو الدولة المعلولة أو العليلة في كتابه الجديد.
تكون الدولة معلولة -أي مليئة بالعلل والأمراض- كتشخيص أجدادنا عند مرضهم يقولون "كل شيء فيَّ يؤلمني".
تكون الدولة عليلة عندما تكون العلة في إرادتها وإدارتها ومواردها في سوء التوزيع والاستثمار والتصرف به، فيقول:
"الدولة المعلولة هي التي تعمل مؤسساتها وتسهر أجهزتها على رعاية مصالح الفئة الحاكمة، أما الدولة الطبيعية الصحيحة فهي التي تعمل مؤسساتها على مصلحة رعاياها بشكل أفقي دون تمييز بين المسؤول والمواطن.."
دعونا من الاتهامات ومن التشويهات والاعتذارات والأفكار ومن تعبير المعارضة والموالاة، هل نمر بهذه الحالة أم لا؟
في ظني لو سألت الذين يشتمون الإصلاحيين ويمزقون شعاراتهم ويلقون عليهم التهم ويجردونهم من وطنيتهم، لو سألتهم عن مواصفات الدولة المعلولة العليلة دون أن تسميها له لوافقوك وقالوا أكثر مما تقول.
- عندما يتسلط اللصوص على مواطني الدولة ولا تقوى على مكافحتهم وايقافهم بل تنصح المعتدي عليهم بالتفاهم مع اللصوص مباشرة والاستجابة لمطالبهم كما يحصل في سرقة السيارات والممتلكات المنقولة حتى وصل حد الظاهرة والتفاوض على قيمة الأتاوة (الخاوة) على السيارات وعلى المحال التجارية وغيرها.
- عندما يفقد المواطن ثقته بإجراءات الدولة ووعودها وبرامجها وأحاديثها عن المستقبل.
- عندما تسخّر امكانات الدولة ومقدراتها وأموالها حتى لو كانت ديوناً خارجية على الأجيال لفئة محدودة وللمسؤول على حساب المواطن الفقير والبنية التحتية، فماذا تسمى الدولة عندئذ؟
- عندما تسخّر القوانين والأنظمة والتعليمات لمصلحة الحكام ومحاسيبهم فقط، فماذا يمكن أن تسمى الدولة؟
- عندما يكون القضاة فقط نسّاخاً يعيدون قراءة المكتوب لهم بخط رديء بحق المظلومين الموقوفين بلا سبب، فماذا يمكن أن تسمى الدولة؟
- عندما يزين إعلامها الخيبات والمصائب والظلم والتدهور والاخفاقات والأمراض ويسميها انتصارات ويصور الدنيا باللون الوردي، فماذا تسميها؟
- عندما تنغلب إرادة القوة على قوة الإرادة فهل من شريعة غاب أسوأ من تلك الحالة؟
- عندما يفقد المواطن الأمل بالعدالة ونيل حقوقه، فيهرع للرشوة أو ما يسمى بالواسطة في جميع أحواله ويقتنع أن لا سبيل للوصول لحقه الخالص إلا بعوامل أخرى غير عادلة فماذا سيكون الحال؟
- عندما تصبح فيها منارات التعليم (الجامعات) مسرحاً دائماًً للمعارك التي تصل حد القتل أو لتدمير وتعطيل الدراسة لعدة أيام أو أسابيع وتتم حماية المعتدين أو تسجل القضايا ضد مجهولين.
- عندما تكون النزاهة- مجرد النزاهة- في انتخاباتها مطلباً شعبياً بعيد المنال بل مكارم وأعطيات يُمتن بها على المواطنين، ففي أي درجات السّلم البشري الإنساني نكون؟
- عندما تصبح جيوب مواطنيها الفقراء أو (مستوري الحال) هي مصدر التمويل للدولة باستثناء المتخمين مصاصي الدماء إلا من رحم ربك ويصبح الوصول لحالة عيش الكفاف غاية المنى، فما تسمى تلك الدولة؟
- عندما تعجز دولة عن سداد تكلفة الدين وفوائده وتستدين لسداد الفوائد وتتوالى هذه الحالة سنوياً وهي بانتظار أن تصل "24" مليار دينار نهاية 2014 كما يقول صندوق النقد الدولي بعد بيع جميع مؤسساتها الاستراتيجية حتى لم يبق ما يباع..
- عندما تغيب في دولة إرادة شعبها ولا تنعكس إرادته الحرة في إدارة شؤونه اليومية بل تزور إرادته في الانتخاب بالمال الحرام أو بالتزوير أو بالقوانين الجائرة فماذا ستكون؟
ترى هل نحن في عداد الدول المعلولة، أم الدول السليمة؟ واسأل جُهينة.