"نمرة حمرا"

قادتني الصدفة الأسبوع الماضي إلى مدرسة أولادي التي تقع في محيط أكثر من 5 مدارس خاصة. وغالبا ما تحصل أزمة خانقة مع انتهاء الدوام، عند باب كل مدرسة.خلال مروري بمدرسة الأحبة الصغار، استوقفني عدد السيارات التي تحمل "نُمر حمرا" حكومية، تقف على أبواب المدارس بانتظار انتهاء الدوام.ما رأيته ليس سيارة أو اثنتين، وإنما ما يقرب من 5 سيارات حكومية متسربة من الدوام الرسمي، واستبدلت دوامها للوقوف أمام بوابات المدارس، لتقل ابن المدير الفلاني والمسؤول العلاني.ما شاهدته لم يكن حكرا على مدرسة معينة، أو مكان معين. فأثناء نقلي ما رأيت لزملاء، أكد لي أكثرهم أن ذاك بات مألوفا لديهم، وأن المنظر استرعى انتباهي لأنني لا أذهب دوريا لجلب أحبتي الصغار من المدرسة. فنقل الزملاء انطباعاتهم ومشاهداتهم لسيارات حكومية بشكل يومي تتسوق في "المولات"، وأخرى تُحضر الطعام والشراب للمنازل، وثالثة تقوم بتوصيل عاملات المنازل لمكان التسوق، وأخرى كثيرة.بعد الحادثة، أصبحت أتمعن في السيارات الحكومية المخالفة، وكم كانت المفاجأة كبيرة وأنا أحصي عشرات السيارات الحكومية التي تجوب شوارع عمان بشكل مخالف. ومن المؤكد أن المخالفات تلك تنسحب على محافظات أخرى.بحسب ديوان المحاسبة، فإن عدد السيارات الحكومية يبلغ نحو 20 ألف سيارة، تتوزع على مختلف الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية. وبحسب "الديوان" أيضاً، فقد نُظمت منذ العام 2008 حملات تفتيشية على السيارات الحكومية، بالتعاون مع مديرية الأمن العام، وبلغ عدد السيارات المخالفة 3598 سيارة في العام 2008، و11036 سيارة في العام 2009، و8885 سيارة في العام 2010، و7415 سيارة في العام 2011، وفي العام الماضي 2012 بلغ العدد 5106 سيارات مخالفة.أما السيارات الحكومية المخالفة منذ بداية هذا العام وحتى 15 أيلول (سبتمبر) الماضي، فبلغت 1070 سيارة. وبشكل إجمالي، بلغ مجموع المخالفات للسيارات الحكومية منذ 19 تموز (يوليو) 2008 ولغاية 15 أيلول (سبتمبر) 2013 ما مجموعه 37110 سيارات.استذكر أن نواب "مبادرة" البالغ عددهم 22 نائبا، وبحسب ما قاله النائب مصطفى الحمارنة، سلموا الحكومة عبر رئيسها د. عبدالله النسور، تصورا للحد من استخدام السيارات الحكومية خارج إطار العمل الرسمي.وأبلغني النائب خميس عطية الذي التقى رئيس الحكومة قبل أيام في إطار اللقاءات التي تعقدها "مبادرة" مع الحكومة للحديث في مواضيع مختلفة؛ سياسية واقتصادية، أن موضوع السيارات الحكومية التي تعمل خارج الدوام الرسمي قد أعيد طرحه من جديد، باعتبار أن ذلك يمثل إهدارا للمال العام، وينقل صورة سلبية للمواطن عن الحكومة.مذهب نواب "مبادرة" صحيح، ويجب الثناء عليه. ورغم أن القصة قد تكون رمزية، إلا أنها تعكس دلالات أوسع. وقد يقول قائل، مستغربا: هل الوفر سيتحقق من خلال وقف استعمال السيارات الحكومية خارج إطار العمل الرسمي؟شخصيا، أقول إن معالجة الخلل في الموازنة، والهدر والفساد، يأتي من خلال معالجة كل كبيرة وصغيرة. فعندما تتحدث الحكومة عن الصبر، وتدعو المواطنين إلى شد الأحزمة على البطون، وترفع تعرفة الكهرباء، وتحرر أسعار المحروقات، وتقدم موازنة فيها من العجز الكثير، وتدعو المواطن إلى تقبل كل ذلك لمصلحة الأردن، يكون عليها أيضا أن تقدم للمواطن صورة عن التوفير وضبط النفقات ومحاربة الفساد، ووقف التطاول على المال العام.ولذا، فإن ترك السيارات الحكومية تجوب شوارع عمان في مشاوير خاصة جدا، من دون تحرك حكومي حقيقي، يثير حفيظة الناس والمواطنين، ويفتح شهية الأسئلة.ولا يجوز أيضا إبقاء مسؤولية مراقبة تحرك السيارات الحكومية بيد ديوان المحاسبة فقط، ونحن نعرف حجم ما يعانيه "الديوان" من ضغوطات عمل في الدوائر والمؤسسات، وقلة عدد الكادر. المطلوب تحرك فوري، وسحب كل "النمر الحمرا" من عهدة أي موظف بعد انتهاء الدوام الرسمي، وتشديد الرقابة على سيرها أثناء الدوام.