مستقبل "مبادرة زمزم"
من الممكن اعتبار إطلاق "مبادرة زمزم" الحدث السياسي والفكري الأبرز في الحراك
السياسي على الساحة الأردنية، منذ انطلاقة الانتفاضات العربية والاحتجاجات
الأردنية. وتأتي هذه المبادرة التي يقودها "إسلاميون" بارزون، على خلفية تراجع
مشروع الإسلام السياسي بقيادة الإخوان المسلمين، عربياً وأردنياً، وبخاصة فشل
تجربته في قيادة مصر ما بعد الثورة.
تكتسب "زمزم" أهميتها السياسية والفكرية من
منطلقات عدّة، أهمها أنها، أولاً، تعتبر محاولة تجديد في الفكر الإسلامي السياسي،
والذي كانت تمثله جماعة الإخوان المسلمين، وكان شعاره "الإسلام هو الحل" بنسخته
الإخوانية الشمولية والمتشددة في فهمها وطرحها لهذا الشعار، والتي أثبتت التجربة
العملية أن تطبيقه (هذا الشعار) في الواقع السياسي العملي، وبخاصة بعد الثورات
العربيه التي كانت شعاراتها ومنطلقاتها مرتبطة بالحرية والعدالة الاجتماعية
والتعددية السياسية والاجتماعية، أمرٌ غير ممكن. واتضح -منذ البداية- أن ترجمة هذا
الشعار الفضفاض لا تتوافق مع أسس ومبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة.
ثانياً،
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من أنها تطرح برنامجاً سياسياً وطنياً، منطلقاته الواقع
الأردني بظروفه ومشاكله وخصوصية تطوره. بعباره أخرى، السعي إلى تحقيق برنامج إصلاح
سياسي بنسخة أردنية. وتنبثق أهمية هذه النقطة من عدم قدرة الأحزاب السياسية،
ولاسيما أحزاب المعارضة بما فيها الحركة الإسلامية، على بلورة برنامج كهذا، بل إن
بعضها كانت تحركه قضايا غير أردنية أكثر مما تحركه القضايا الوطنية الأردنية. وهذا
تطور يُسجّل للمبادرة، ويستحق البناء عليه.
وعلى أهمية هذا الطرح، فإن المبادرة
بقدر ما تقدم من أجوبة، تثير أيضا العديد من التساؤلات.
فشعار "الإسلام هو الحل"
ما يزال العنوان الأساسي للمبادرة، بالرغم من أن الدكتور ارحيل غرايبة يقدم طرحاً
واضحاً ومختلفاً لهذا الشعار، ويؤكد أنه لا توجد حلول إسلامية مسبقة لأي مشكلة
معاصرة، وإنما يطرح الإسلام مرجعية فكرية وأخلاقية لحل تلك المشاكل، ويقدم أجوبة
مقنعة لكثير من التساؤلات التي تدور في ذهن المفكرين والسياسيين والمراقبين،
والمتعلقة بالعلاقة بين الدين والدولة، والحرية والتعددية السياسية والمرأة ومسألة
الأقليات وغيرها.
ولعل ما تقدمه المبادرة من أجوبة عن هذه التساؤلات، يكاد يكون
أوضح تفسير لفكرة "الدولة المدنية" التي طرحها بعض المفكرين والسياسيين الإسلاميين
بعد الثورات العربية، وتأتي ترجمة لتلك الشعارات.
وأعتقد أن الأفكار الرئيسة
التي تحتويها "زمزم" تلقى التفهم والقبول والترحيب لدى العديد من التيارات الفكرية
والسياسية، كمراجعة وتطوير للحركة السياسية الإسلامية. ولكن، قد لا يرى العديد من
هذه التيارات أن ذلك يشكل إطاراً فكرياً سياسياً لهم. بالأصل، فإن هذه المبادرة يجب
أن تكون موجهة للحركة الإسلامية، وبخاصة لجماعة الإخوان المسلمين؛ ليس فقط لأن
المبادرة منبثقة من قياديين لهذه الحركة، ولكن لأن الأفكار التي تطرحها تشكل مراجعة
وتقييماً وانتقاداً غير مباشر للطروحات الفكرية والسياسية التي تمثلها الجماعة، ليس
في الأردن فقط وإنما أيضا بشكل عام. وحتى الآن، لم تتم مناقشة رسمية من قبل الجماعة
لهذه المبادرة، ولم يتم اتخاذ موقف رسمي من القائمين عليها، والمنتسبين للجماعة
ولجبهة العمل الإسلامي.
إن التحدي الأكبر للمبادرة وللقائمين عليها يتمثل في
إيجاد الآلية التي تنقل هذه المبادرة من المجال الفكري إلى مجال الفعل السياسي. وفي
الإجابة عن هذا السؤال، يقول د. غرايبة إن هذا متروك لأعضاء المبادرة، وإنه سوف
يكون قراراً جماعياً. ولكن من الواضح أن المبادرة أمامها ثلاثة
سيناريوهات:
الأول: تبني جماعة الإخوان المسلمين للمبادرة. وإن حدث هذا، فسيكون
تحولاً تاريخياً سوف تتجاوز أصداؤه الأردن.
الثاني: تشكيل حزب سياسي إسلامي جديد
يتبنى أفكار المبادرة.
الثالث: أن تبقى المبادرة في إطارها الفكري، وأقرب إلى
المجتمع المدني.
لا شك في أن "مبادرة زمزم" تشكل تحولاً لافتاً في الفكر السياسي
الإسلامي، وأنها تستجيب للتحديات التي تواجهها الحركة الإسلامية، وبخاصة جماعة
الإخوان المسلمين. وتكمن أهميتها في تبني الحركة لهذه المبادرة. ولكن من الصعب تصور
أن تكون المبادرة جامعة لكل التيارات السياسية والفكرية الأخرى، لأنها تؤمن بمرجعية
وإطار فكري مختلفين، ومن غير المتوقع التخلي عنهما.
mousa.shtaiwy@alghad.jo