أمجد العضايلة من زحوم الى بيت الاردنيين في انقرة

أخبار البلد - خالد أبو الخير
يختلف في شأنه الركبان.. ومع ذلك، يبدو عند أصدقائه أبسط من نسيم، وعند خصومه أعقد من مزهرية في بيت مرمي على خاصرة قرية توغل في النأي.. وليس في النسيان.
لم يكن مشواره الذي ابتدأ من "زحوم"، قريته الجنوبية، التي يحفها المدى والحقول والشجى الى الديوان الملكي ، معبداً، فقد تعين عليه ان يستحضر ما في صلابة صخر الكرك، وصبر ايوب، وما تخبئه ابتسامة عذبة لا تفارق محياه أبداً ، ليتجاوز عقبات كأداء.
1962 كان العام الذي رأى فيه النور، تزامن مع استقلال الجزائر وافتتاح الجامعة الاردنية ، وحين درج في مدارج الطفولة والصبا كانت أحاديث الفقر والعلم وفلسطين والوحدة العربية تحفر أثارها في نفسه الوثابة.. وتطلعاته التي ما زالت كباراً.
كغيره من اترابه، انهمك مع العائلة في جمع غلة المواسم، على قلتها، والعناية بالماشية، وصناعة الجميد والزبدة و الالبان، التي كانت وسيلة والده عودة عمارة العضايلة للصرف على عائلته الكبيرة. ولطالما اقتنص اوقاتاً لسمر مع اصحابه، ولعب الغميضة وغيرها من العاب تُجمّل التذكار .
أيام الحصاد ما تزال بالبال، وضوء القمر في لياليه، وطعم شاي الحطب.، والرماد والجمر. ايامها كان كثيرا ما يرى ممتشقاً المنجل بيده، أو حاملاً اكياس الحنطة على ظهره.. وقد زادته شمس الجنوب سمرة وإباء.
والده مزارع بسيط، ذهب إلى الكُتّاب في صباه، فأيقن قيمة العلم، وقرر على الرغم من صعوبات العيش وضنك ذلك الزمان، أن يعلم أولاده مهما كلفه ذلك من ثمن.
رفاقه في المدرسة يذكرونه :"فتى يسكنه العنفوان، يميل الى المرح والجد حين يحين الجد، وحب مقاعد الدرس". ولطالما امضي الليالي ساهراً على الضوء الشاحب لـ" الفنيار و الفانوس"، يقرأ ويذاكر.
بعزم لا يلين، درج على قطع المسافة من منزله الى المدرسة التي تناهز الثلاثة كيلومترات يومياً، ومرات.. كانت أرجله تغوص في طين الشتاءات حتى الركب. لكنه أبدا مفتون بالشتاء والمطر وقصف الرعد.

ترتيب أمجد العضايلة الثالث بين اشقائه السبعة وخمس بنات، اخاه الاكبر عايد، الذي درس في بغداد، وانتمى لحزب البعث، ثم صار نائبا في البرلمان، اسهم في تشكيل شخصيته حين فتح عينيه على السياسة. بل يذهب احد المقربين منه للقول: أمجد درس الصحافة والاعلام كطريق للسياسة".
شقيقه الثاني فلاح باشا، الذي انهي خدمته العسكرية برتبة لواء، يعتقد ان أمجد استفاد منه في استقاء معاني الحزم والانضباط والعسكرية.
الرابع محمد، مهندس في وزارة التخطيط، والخامس ماجد، نائب نقيب نقابة التعدين، والسادس رياض، محام، والسابع عماد الذي سار على نهج امجد ودرس الصحافة والاعلام.
ودع "زحوم" وارتحل شمالاً ليكمل دراسته الجامعية في "اليرموك"، وبنفس العزم القديم، بذل جهدا مضاعفاً في دراسة الصحافة والاعلام التي عشقها. واقام في اربد ، لا يكاد يفرقها، على حد تعبير "عرار"،الا في رحلة اسبوعية الى الجنوب، كثيراً ما اضطر الى الغائها، لكي يوفر ما استطاع من مصاريفه التي ما فتيء الوالد يمده بها.
صعب على كاتب هذه السطور أن يرصد ايا من اصدقائه، لكونه يحب جميع الناس، ومنفتح على الجميع الذين يحسبون انفسهم اصدقاء له.
يصفه مقرب منه بأنه: حاد الذكاء، متواضع، بشوش، متسامح، يحب عمله ويتفانى فيه". ويضيف أحد اشقائه بأنه: يغفر للجميع، لدرجة اني استغرب كيف يتعامل بايجابية حتى مع من اساؤوا له".
عيّن في وزارة الاعلام عقب تخرجه عام 1984 ، واعطى مثالاً عن الموظف الكفء، فنسب بانتدابه الى الديوان الملكي عام 1989.
في مدرسة الحسين، انهمك ينهل من منهلها العذب، ويدين بالكثير الكثير الى ما تعلمه في بيت الاردنيين.
بروزه كان في عهد ابي الحسين، حين اختاره مديرا لادارة الاتصال والاعلام في الديوان حتى تاريخ 30/9/2008، حين قدم استقالته لاسباب.. لم يفصح عنها بعد. وانعم عليه جلالة الملك عبد الله الثاني بعدة اوسمة ومنحه رتبة وزير.
أم المئات بيت عائلته القديم في "زحوم" محاولين ثنيه عن قرار الاستقالة، بيد انه اصر عليها. وقيل أن الصراع الذي احتد ايامها بين مدير المخابرات محمد الذهبي ورئيس الديوان باسم عوض الله أوديا به الى اتخاذ القرار الصعب. وكان فضل أن يبقى على مسافة.
سافر بعدها الى عاصمة الضباب لتلقي العلم، واستفاد من تطوير قراءاته وتوسيع افق الصورة ليرى من مكانه الابعد.
يذكر له محبوه، أنه أول من زار باسل الطراونة في بيته، حين اطيح به ابان حكومة معروف البخيت الاولى من منصب مدير المركز الاردني للاعلام. وهو موقف يقدر له، ينم عن رجولة وعصامية، لان من يترك منصباً تخاف الناس أن تزوره.
"وطني.. يتنفس هواء الوطن صرفاً، ولا يحابي ابدا في مصالح وطنه ، وقومي حتى النخاع". يصفه سياسي عرفه. فيما يقول أحد معارفه."مهذب، مجامل، منضبط بعمله، ليس له اعداد لدودين لانه لا يعادي احداً، وهادي ورزين لا يغضب في كل احواله".
هاجمه زملاء لاسباب شتى، منها عدم توجيهه دعوة للقاء الملك، في مرة من المرات
، الا الى قلة، بيد انه راضى الجميع.
تزوج ابنة عمه التي درست في اليرموك ايضا، وله منها ولدان وابنتان، اكبرهم غسان، على اسم القبيلة العربية الشهيرة "الغساسنة" التي يتحدر العضايلة منها، ولها في كل موضع من ارض الشآم نار قرى.
ولعله تأثر باشهر ملوك الغساسنة الحارث بن جبلة، ومن مآثره، وكان مسيحياً، انه ترجم الكتاب المقدس الى اللغة العربية، ما أكد من مكانة المعرفة في نفسه.
قبل أن يسافر إلى تركيا سفيراً، اعتاد "ابا غسان" ان يقود سيارته كل يوم خميس وجمعة تجاه بيت العائلة في"زحوم"، يقبل يد والدته التي تحرص، آمد الله في عمرها، على اعداد الطعام بيدها، وتنثر السرور في قلوب ابنائها الذين ما عاد احد منهم يعيش في زحوم.. لكن قلوبهم ما تزال هناك، وليست شتى.