الدبلوماسيون العراقيون و البلطجة

 

"الدبلوماسية" مصطلح عالمي دارج يطلق على الوجه المشرق و الجميل للدولة في تعاملها مع الدول الاخرى ، وهو نمط قديم وجديد ومتجدد في موضوع العلاقات الدولية من اجل ارساء قواعد الاتصال المسؤول بين الكيانات السياسية التي ترعى مصالح الشعوب و الرعايا ، وتحافظ على تمتين الروابط بين المجتمعات البشرية و تعمل على بناء شبكة تعارف وتعاون مثمر بين الدول ، يحقق ذلك المستوى المطلوب من التعامل المنضبط الذي يحافظ على المصالح المتبادلة .
ومن هذا المنطلق يتم اختيار الشخصيات المناسبة في العادة لهذه الادوار الذين يخضعون للتثقيف والتدريب والتأهيل ، من اجل الالمام بالاعراف الدبلوماسية التي اصبحت علما وفنا ، حتى يكونوا قادرين على ابراز الوجه الحضاري للدولة وحتى يكونوا قادرين على تحقيق المصلحة العليا لشعوبهم ، من خلال اتقان لغة الحوار واتقان التصرفات اللبقة و الموزونة ، التي تتمثل في الجلسة والنظرة واللباس والمقاعد وحركات الايدي ، وإتقان طرق التواصل، والقدرة على توصيل الرسائل، والقدرة على استلام الرسائل في الوقت نفسه، والتي غالباً ما تكون ذكية وخفيّة ودقيقة وغير مباشرة.
ما حدث في الأردن على يد طاقم في السفارة العراقية بحق بعض المواطنين الأردنيين، أمر مخجل ومعيب، ولا يمت للأعراف الدبلوماسية بصلة، بل هو خارج عن الحد الأدنى للأخلاق الانسانية، وخارج عن مستوى التعامل البشري بحدوده الدنيا في الأسواق والشوارع والطرقات، ولا يمكن السكوت عليه أو تبريره بأي إطار وتحت أي ظروف سياسية أو غير سياسية، وينبغي أن يمثل هذا الحدث نقطة سوداء في تاريخ الدبلوماسية العربية والعلاقات بين الدول فضلاً عن الأشقاء.
ينبغي التعامل مع هذا الحدث ومعالجته فوراً دون ابطاء، وذلك باجراء اتصالات على أعلى المستويات، يتضمن الخطوات التالية :
أولاً: ترحيل السفير والطاقم المتورط في هذا الحدث والوعد الحاسم باصلاح هذا الخلل الكبير في الدور الدبلوماسي الذي تمارسه السفارة والسفير، وعدم الاكتفاء بالاعتذار وينبغي إيجاد الضمانات بعدم تكرار هذا العمل المخجل، والذي يلحق الضرر بالقيم الدبلوماسية فضلاً عن العلاقات بين الدولتين.
ثانياً: تعويض المواطن الأردني الذي تعرض للضرب عن هذه الإهانة المعلنة واعادة الاعتبار لشخصيته التي جرى الاساءة اليها، من خلال ترتيبات يجري الاتفاق عليها بين الدولتين، وعدم تمرير الحدث بسهولة.
ثالثاً: ينبغي أن تقوم السلطات الأردنية ووزارة الخارجية بإجراءات تحفظ كرامة مواطنيها، على الأرض الأردنية وعلى كل بقاع الكرة الأرضية، وينبغي أن يعلم وزير الخارجية الأردني أن كرامة الأردني فوق كل اعتبار، ولا يمكن المساومة على كرامة الأردنيين من أجل مصالح اقتصادية أو ترتيبات سياسية، وقد آن الأوان لرفع مستوى اللهجة الدبلوماسية الأردنية في المسائل التي تمس كرامة الأردنيين وكرامة الشعب الأردني.
حفظ كرامة الأردني ليس له علاقة برأيه السياسي أو توجهه الفكري أو لونه الحزبي، ولا يرتبط بموقف ما مع نظام ما أو شخصية ما، وينبغي أن لا تفهم المعالجة أنها نوع من أنواع التعصب المذهبي أو الديني أو العرقي أو الأقليمي، وليست من باب الخلاف بالرأي السياسي.
يجب أن نتفق نحن الأردنيين اولاً والعرب ثانياً، أن يحفظ بعضنا كرامة بعض وأن نتجنب الإساءة المتعمدة لفظاً وسلوكاً، مهما كانت درجة الاختلاف في الرأي، ومهما كان التباين في المواقف السياسية، وأن نلتزم جميعاً بأعراف الحوار السياسي، وآداب السلوك الحضاري، ومقتضيات التعامل الانساني الراقي مع أنفسنا أولاً ومع العالم الخارجي تاليا، من أجل الحصول على احترام الناس وتقديرهم، وينبغي تحريم استخدام العنف في الحوارات الفكرية والسياسية وتحريم السلوكات الخارجة عن الأدب.
ترحيل السفير وطاقمه هي خطوة ضرورية من أجل وقف حالة التوتر الشعبي التي سادت أوساط الشعب الأردني اثر هذا الحادث المؤسف ووضع حد للتداعيات الكبيرة المترتبة على ذلك، ومن أجل المحافظة على العلاقات بين الدولتين وعدم تضرر المصالح المشتركة بينهما، وهي تمثل خطوة إنقاذية وليست خطوة استفزازية وينبغي أن لا تكون كذلك.
السفير وطاقمه هم الذين أساءوا لدولتهم وشعبهم من خلال هذا التصرف ، وكل شخصية دبلوماسية تقوم بهذا التصرف الشائن يخل بواجبه ويسيء الى جوهر عمله، والسكوت على هذا الفعل يمثل خللاً جوهرياً في الفهم والقيم الدبلوماسية والسياسية.
وفي الوقت نفسه يجب أن لا يكون هذا الحدث متكأً للاعتداء على الرعايا العراقيين وتوسيع إطار الحريق بتصرفات عدوانية تمس من هم خارج الحدث.