عبد الجليل.. صاحب الظل الطويل
خالد أبو الخير
ثمة مشكلة بأولئك الذين يؤدون أداءً حسناً.. ثم تكون النهايات التي يخطونها غير حسنة.
ليس صحيحا طبعا أن أداء رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل كان حسناً، فالرجل الذي جاء بقدرة قادر قائدا لثورة 17 فبراير، خاض معترك السياسة مضطرا، كما أعلن شخصياً، غداة انشقاقه في مدينته البيضاء، ودخل غمارها على الرغم من تأكيده السابق انه هجر السياسة.
وحتى في هذا القول ثمة وجهة نظر: فمتى كان عبد الجليل سياسياً حتى يهجرها؟
الرجل الذي جاء وزيرا للعدل في عهد القذافي ليس سياسيا أبدا، وإن كان منصبه كذلك، والكثيرون ممن صاروا وزراء لم يكونوا سياسيين مطلقا. تماما مثلما صعد على رافعة الثورة أناس لا يصلحون للسياسة ولا للطبخ ولا لغيره.
عبد الجليل لم يثبت طيلة بقائه رئيسا للمجلس انه خاض غمار السياسة، بل كان في أحيان بحاجة "لملقن" يوضح له ما فاته، أو يسعفه بكلمات لكي ينطق بها. وهذا أمر رأيناه كثيرا في لقاءاته التلفزيونية وتصريحاته. كما لم يثبت في أي معترك سياسي انه "فارس ميدان".
تركيبة الرجل أقرب للدرويش.. من رجل السياسة والقائد. لكن الأمور "زبطت" معه. كيف؟ لا أحد يدري؟ وشَكّل وجوده حاجة وضرورة لقوى تتصارع وتريد ان تختبئ وراء "صاحب الظل طويل". كما هو الحال بالنسبة لمتسلقين ولصوص.. وموضوع تكاليف علاج الجرحى والمرضى الليبيين، والمليارات التي نهبت في عهده غير الميمون.. خير دليل.
من قتل الفريق عبد الفتاح يونس الذي بكاه عبد الجليل، ثم لم يفعل شيئاً لكشف الجناة ومحاكمتهم؟
من المسؤول عن الدمار الذي حاق بليبيا جراء أفعال "نفر" من المحيطين به، الذي فاق الدمار الذي أحدثته كتائب القذافي وقصف الناتو؟
من مكّن المليشيات وترك لها الحبل على الغارب، لتعيث فسادا في ليبيا وتستشري حتى فرضت بالقوة قانون العزل السياسي؟
من لم يحرك ساكنا أمام تدخلات دول في ليبيا، وترك أجهزة استخباراتها تسرح وتمرح على هواها؟
من استمرأ سياسات الحلول الوسط لاسترضاء هذا الجناح وتلك العصابة، وأدخلهم في الدولة تحت مسمى الثوار، فصاروا ثواراً على الليبيين وليس لهم؟
من الذي ترك الزمام يفلت ووسع من الفراغ السياسي الذي أغرى أعداء ليبيا؟
ومثله انقطاع الكهرباء ونقص الأدوية والانفلات الحاصل في الشوارع بدعوى ان ليبيا حرة.
ومن باع أسهم بنك التنمية لقطر في دولة ليس فيها رئيس او حكومة او حتى برلمان؟
بل من سهل صفقات نفطية لصالح هذه الشخصية أو تلك " مثل وليد جنبلاط مثلاً".. والشعب الليبي لا يعرف من النفط سوى اسمه؟
عبد الجليل وجد قبل مغادرته المشهد نهائيا فرصة لتأكيد فروسيته أن وبخ المذيعة سارة المسلاتي في حفل افتتاح المؤتمر الوطني لعدم ارتدائها الحجاب، "كون الليبيين شعب مسلم" ونسى ان وزيرة في الحكومة التنفيذية التي شكلها مجلسه لم تكن محجبة هي فاطمة الحمروش، وهو من صافح هيلاري كلينتون وكاترين اشتون، وشد بيديه على أيدي مرشحات ليبيات للانتخابات بحرارة؟
عبد الجليل الذي انسحب ظله الطويل إلى مسقط رأسه مدينة البيضاء، عاد مؤخرا بعد أن نسيه الناس او كادوا، ليتهم إخوان ليبيا بالسعي الى السيطرة على الحكم وبأنهم وراء قانون العزل السياسي، ونسى ان الاخوان كانوا من ضمن من دعم رئاسته للانتقالي.
هكذا يغرق "الدرويش" في التفاصيل الصغيرة، ويتغاضى عن 30 جثمانا لطفل عثر عليها في ثلاجة طعام بإحدى المستشفيات، وعن بلد تركه دماراً وخراباً، عاجز عن التقدم خطوة واحدة إلى أمام.
.. هي النهايات يخطها من هم مثله، ولا يعرفون أنهم بما اقترفوه يكشفون أنفسهم.