تيار وطن والاتجاه الإسلامي: نموذج الجامعة الأردنية
د. نزار قبيلات
يحدث العنف في الجامعات لأسباب غير اقتصادية، تختلجها حالة ارتباك وفوضى انحرف معها المسار الطلابي وزُجّ به في معطيات غير فكرية لا ترتكن في حقيقتها إلى الخلاف الذهني والتناظر البناء، إذ لم يعد هناك تعدد خلاق تجري فيه التيارات الفكرية التي كانت تستقطب الطلبة وفقا لمواهبهم واهتماماتهم وأمزجتهم أيضا، فقد كان هذان المساران( تيار وطن والاتجاه الإسلامي) في الغالب ينظمان الطلبة ويستقطبان الأعضاء وفقا لأصلهم وفصلهم ولمعتقدهم الديني، وأذكر أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب على العراق وبعد توسع وانتشار فكر الإسلام السياسي برز تيار طلابي في الجامعة الأردنية أطلق عليه تيار "وطن"، وكان الطلبة الملتحقون به طلبة بانتماء وطني على حد تعبيرهم، وناظرهم على الطرف الآخر تيار إسلامي متشدد؛ إذ لم يقبل بتيار وطن كشريك سياسي طلابي بل ورفض كلاهما الاعتراف بالآخر، وهي حالة طبيعية ربما، فمجمل دول العالم الديمقراطية مبنيةٌ وفق مسارين سياسيين يتوازنان حينا ويتقاطعان حينا أخرى، وذلك تبعا للحدث السياسي وتبعا للمعطى الواقعي المتجدد، إلا أن ما حدث مع التيارين السالف ذكرهما (تيار وطن والاتجاه الإسلامي) في الساحة الجامعية ولاسيما في الجامعة الأردنية شيءٌ مستهجن، إذ راح كل طرف يتأزم ويصطف في مواجهة كسر عظم مع الآخر، لا باختلافات وطرق تعبير متنوعة تظهر حيال موقف ما، بل وصل الأمر إلى حد التلاسن بداية ثم التعارك بالأيدي ثم بالعصي، ثم ظهر الملثمون، فكان يجدر بكل طرف أن يناظر خصمه تبعا لآراء ومواقف تصب في نهاية المطاف في مصلحة التنمية الطلابية وترجو سلامتها ونماءها، ففوز أي طرف على الآخر لم يكن يعني البتة نفاء هذا الآخر وسحقه، بقدر ما كان يعني أهلية ذلك التوجه ورجحان رأيه إلى حين.
إن حالات العنف الجامعية المتنامية هي نتاج خواء فكري وتراجع معرفي سببته بداية الحاضنة المدرسية وأسس القبول، وسببه لاحقا تجييش غير ممنهج خطف فضاء الجامعات و أدخله كهفا مظلما بتنا نندم عليه أشد ندم، فمن المنطقي والمعقول ظهور توجهات فكرية وتجمعات جديدة تنشأ على وقع فشل المسارات السياسية السابقة، فيظهر تيار آخر ينشق عن السابق ومن رحمه في محاولة لتجاوز القصور في الأداء و الواجب، لا أن يتقزم الأمر إلى ولاءات فرعية تهشم صورة الوطن وتنال من سلمه المجتمعي، فحري بهذين التوجهين الالتفات للمسؤولية الوطنية بالدرجة الأولى التي تكمن في إصلاح الأجواء المغبرة والمتردية في التحصيل الأكاديمي: المنهجي واللامنهجي بدلا من المضي في تشويه صورة الآخر بطرق غير مهنية، فواقع التعليم الجامعي في تراجع والآخرون يلهون في التخاصم على قضايا سياسية لا يعنى بها المناخ الأكاديمي بالدرجة الأولى.
فكما أن القدس بحاجة إلى معرض للصور والوطن الاحتفاء بذاكرته العزيزة، فإنه من الواجب الوطني أولا تقييم الأداء الأكاديمي وتجويده وتطويره لتقديم مخرجات تعليم ذات كفاءة عالية تستحقها الأجيال، وحري بالآخرين التحاور والخلوص لمصلحة واحدة لا يخطئها ذو البصيرة، فلا يمكن لأحد رمي الآخر بحجر الخيانة أو الجهل ما دامت الغاية رفعة التعليم و المتعلمين في بلدنا الحبيب. إذ لا بد من إعادة توزيع الفكر الوطني بشكل نوعي يعتمد على الاختلاف العلمي الراقي لا على الاختلاف الرجعي الهدام، كما أنه على من يدعون تقزم دورهم في الجامعات بسبب التدخلات الأمنية القيام بمسؤوليتهم الوطنية اتجاه جامعتهم بدلا من الإسهاب في التنظير السياسي و إضاعة الوقت فيه.