الأعمى وحمار وزوجة البصير

الأعمى وحمار وزوجة البصير

حدثتني جدتي رحمها الله بعد أن فرغت من صلاة العصر ونحن جلوس نُخَلِص القمح مما علق فيه من شوائب الحصى والصوان ليكون طحيناً ابيضاً في أسود الأيام:    

أن احد الفلاحين قد هم في مشيته وزوجته برفقة حماره إلى المدينة، قاصداً السوق وفي الطريق جلس رجل أعمى ينشد العون في المسير في نفس وجهة الفلاح وزوجته والحمار، فما كان من المرأة إلا  وأن راحت تُقنع زوجها بان تنزل عن الحمار وتُركب الأعمى المسكين  بدلاً منها  حُزناً عليه ورأفةً بحاله وطمعاً في الأجر العظيم، لكن الفلاح وبسبب إحساسه الفطري تردد في الموافقة، تجنباً لنائبات الزمان وخوفاً من ضياع الوقت ذلك انه فلاح ونشيط وعلى الدوام مشغول ببستانه وتربية عياله ومواشيه، ولولا إلحاح زوجته المغناج في طلبها  منه مرافقتها إلى المدينة لما فكر أن يصل المدينة لخوفه من صدمة الحضارة  ومن قسوة المدينة على أمثاله حينما تضطرهم الأيام  ليزوروها كغرباء وضيوف ثقيلين عليها وعلى أهلها.

وبعد جدال طويل نزل الفلاح عند رغبة زوجته فأنزلها واركب على الحمار ذلك الأعمى المسكين، ليس رغبةً منه بالأمر، وإنما تجنباً لنقاش حاد نشب بينه وبين زوجته فكاد النقاش أن يُفسد عليهما رحلتهما، وفي المدينة حينما توسط الركب في السوق بدأ الأعمى بالصراخ : ساعدوني  ... ساعدوني ...لص يُريد أن يسرق حماري وزوجتي.....زوجتي.... حماري.....زوجتي ....فاجتمع الناس عليهم وأوسعوا الفلاح ضرباً قبل أن يسمعوا حجته، وجاءوا بالشرطة فاعتقلوهم جميعاً كونهم التبس عليهم الموقف، فهذا أعمى مسكين، وحمارٌ هَميم، وامرأة لعوب، ورجل مضروب، فمن لهذه المسألة كي يحلها؟! فباتوا جميعاً في السجن كُلاً على حدا وفي الصباح احتار القاضي بحل المسألة وخاف أن يظلم الأعمى أو أن يظلم الفلاح، فقرر أن يُعيدهم جميعاً إلى السجن فعسى أن يفتح الله عليه بالحل، ويحكم بالعدل، ولا يظلم ...فاستجاب له الله ففتح عليه، فأمر بان يدخل مخبرين من الشرطة متخفيين كسجينين أحدهما مع الفلاح والثاني مع الأعمى ليبيتا معهما لعلهما يسمعان شكوى ونجوى كل منهما مما يُساعد في معرفة الحقيقة.

وفي اليوم التالي نادى القاضي المخبرين فسأل الأول كيف نام صاحبك وبماذا تحدث ؟ فقال: والله يا سعادة القاضي طول الليل يبكي ويقول : خيراً تفعل شراً تلقى .... ويا ليت أني لم أسمع من زوجتي ولم أُركب على حماري ذلك الأعمى اللص اللعين، يا ليت أني سمعت نصيحة رحمة والدي فلقد قال لي: (شاورهن واخلف شورهن)!... أي ألنساء، لا تطيعوهن في معروف حتى لا يطمعن في منكر!؟..... حسبي الله ونعم الوكيل!.

أما الثاني فقال: والله يا سعادة ألبيك كان نائماً طول الليل ولكنه صحي قليلاً ولعله كان يحلم، فالأمر عليَ مُلتبس فهو مُغمض العينين أعمى ولكنه كان يقول: إذا مشي الحال سأكسب  المرأة والحمار ....وإذا ما مشي الحال أهو كلام في كلام......انتهت الحكاية.

ولنا مع السياسة حكاية ...فكم راعني موقف رئيس الوزراء التونسي محمد الغنوشي يعتلي سدة الحكم ويبيت ليلةً رئيساً لتونس الثائرة الهادرة ولسان حاله يقول : إذا مشي الحال بنكون كسبنا السلامة والزعامة، وإذا لم يمشي الحال أهو كلام في كلام.... رجل في منتهى العمر وشعبه ثائر وبلده تحتضر ويستميت في توجيه الأمور في صالحه وصالح  زمرة مُجرمين من خدام الدكتاتور والمتآمرين معه على تونس وأهل تونس علهم يستطيعوا مخاتلة الثوار وينقلبوا عليهم ليسوموهم سوء العذاب .... وليس الغنوشي فقط، فهنالك ألألآف على شاكلة الغنوشي وينتظرون مكاسب لم يقدموا في سبيلها أي تضحيات ..... الثورة يصنعها ويشعلها الثوار الشجعان ويقطف ثمارها اللصوص الجبناء، فكم هي النخب الخائبة في أوطاننا انتهازية؟ وكم من طُفيّلي يحتفظ بعمامة من كل لون ولكل زمان ومكان؟! .... دكتاتور مع الدكتاتور، وثائر مع الثوار إذا ما انتصروا،  ومُطالباً بحقوق المرأة  حينما يجلس مع النسوان!!!..... وليس هم النخب وحدهم،  الم تسمعوا حديث البيت الأبيض وفرنسا ساركوزي  وبريطانيا مخترعة الاستعمار .... يصرحون الآن أنهم مع الشعب التونسي ذلك أنهم ديموقراطيون ويدعمون الشعوب في نضالهم من اجل الحرية؟! وحتى الفتى الأسمر من البيت الأبيض صار اليوم مع التوانسة وبالأمس تلك الشقراء في اجتماع لها مع العربان وبطاريق الخليج  تحض الحكام العرب على إطلاق الحريات العامة ومكافحة الفساد!؟ (ويا حجه متى حجيتي ومتى صرتي صلاوية) وقالوا الشيطان ناوي يوزع صدقات ويصوم رمضان!!! ..... الم تتعاونوا مع بن علي على قمع التوانسة بحجة مكافحة الإرهاب الذي قمتم بصناعته؟ ألا تستمرون الآن بدعم حكام القمع والاضطهاد؟ أكاذيبكم لم تعد تنطلي حتى على الأغبياء عندنا.... لماذا لم تستقبل فرنسا حبيب قلبها وصنيعتها بن علي بعدما أسقطه صبية تونس؟ ألا يتعظ حكام الوطن العربي من تونس؟ هل نسوا قصة شاه إيران حينما بقيت طائرته بالجو أسبوعين لا تجد أرضاً تستقبلها وهو خادم أمريكيا الأمين العظيم المكين؟ ماذا لو أن بن علي - دكتاتور تونس وجزارها - حقن الدماء وتنحى؟! ماذا لو انه لم يترشح وترك لأبناء تونس الحرية في تقرير مصيرهم؟ ألا تجدنا الآن نحترمه وتجد من يدافع عنه؟ ماذا لو لم تزوّر الحكومات النواب والانتخابات؟ ماذا لو اتعظ حكام العرب مما جرى مع زميلهم بن علي الذين كانوا ينسقون معه امنياً على قدمٍ وساق؟ فلعلهم يتجهون الآن للمغرب أو ربما لأعرابي اليمن الذي لا ينوي الترجل وحاكم العراق الجديد...الم يقل قبل شهرين: ما ننطيها (ما نعطي الحكومة لأحد)!؟ لماذا لا يفهم فرعون ويكتفي أم انه ينوي الاستمرار في الحكم حتى بعد التحنيط ؟ وعباس ودحلان وجمهوريات السودان؟ ألا تفهمون بان زمانكم ولى من زمان وهذا زمان شباب النتويان!؟.