الإعلامي والأكاديمي والشاعر د. خالد الجبر : الاصلاح يصب بقوام الدولة وفي مصلحتها ..


أخبار البلد
أجرت الحوار - رائده الشلالفه

أمام شخص د.خالد الجبر، تحار في ماهيته وهو الرجل الاكاديمي والشاعر والاعلامي، والذي ما أن تلتقيه حتى تجد نفسك في حالة استماع طوعية لتنهل منه، وهو العارف المتمكن المطلع الداري ببواطن معرفية عديدة، بدءاٍ من السياسي ولا انتهاء بالاستشرافي.


بحضوره الواثق، تحدث الجبر عن المثقف ودوره في الحالة الاردنية، كما عرّج للمشهد الابداعي الاردني متحدثا عن بعض اشكالياته، وداعيا الى ان يأخذ الجميع دوره في خلق حالة ابداعية وثقافية لخلق منطقة متوازنة تخدم تعقيدات الحالة، ومتطرقا في الحوار الذي اجرته اخبار البلد إلى اننا في الاردن نفتقر الى استراتيجية وضع السياسات عامة والشأن الثقافي التنويري بوجه خاص، وقد أطلينا معه على بعض ارائه تجاه الحالة الاردنية الراهنة سياسيا وثقافيا .
أخبار البلد : بداية، وأنت صاحب الخبرات السياسية والثقافية التي ترقى في مستواها المعرفي إلى المرجعية، كيف ترى وما هو دور المثقف في الحالة الأردنية الراهنة التي تتجاذبها رياح التغيير؟


د .الجبر : ينبغي اولا ان نتفق على تعريف المثقف، ثمة ادعياء ثقافة وثمة مثقفين حقيقيين، وآخرين يتعاطون العمل الثقافي انطلاقا من الخاص الشخصي لا الثقافي الابداعي، وكلهم ينطبق عليهم صفة المثقف، ينبغي على المثقف ان يكون حساسا لواقعه ويمتلك من التفكير والرؤية الواضحة ليستطيع ان يكّون رأي ويفرز مهاما  وإنجازا، وكل في موقعه، والوصول بذات السياق لتشكيل توجه عام بقصد الوصول الى فهم عميق للحالات ولأسباسبها واليات حلها.


ويحضر السؤال هنا، مالذي يفعله العمل الثقافي ؟ هلا يلامس واقعنا وارهاصاته ويقبض على منبع الاشكاليات وتشعباتها، أم اننا أمام مثقف يكتفي بالتنظير والتوصيف وإعطاء مسميات ودلالات للحالة ، ولعل الخلل في هذه المسألة يكمن وراء عدة أسباب منها سبب انفصال الثقافي عن الاجتماعي عن السياسي عن الاقتصادي ، الانفصال عن الابداع، وعن الرغبة الحقيقية في التغيير وخلق منطقة متوازنة تخدم تعقيدات الحالة لا تزيدها تعقيدا، المثقف لدينا يحمل فكرة ويريد للمجتمع ان يأتي اليه ليشتريها، هو لا يريد ان يخرج للواقع يريد للواقع ان يأتي اليه ، المثقف لدينا تاجر يتقن صنع سلعته لهدف البيع وليس لهدف تسويق أو تعميم الفكرة البناءة إذا وجدت، بمعنى هناك البعض منهم يسعى لنشر نتاجه الفكري بقصد التكّسب البحت، وهنا تتم شرعنة عملية البيع وإضفاء سمة التاجر على المثقف للأسف، الأمر الذي يقودنا إلى معادلة المثقف ودوره المتوجب او المتوقع، فالمثقف يلعب دورين في الحالة ، ان يعاين معطيات واقعه، ويبني عليها حيثيات دوره، فالبعض منهم يجد الواقع يسبق تفكيره ويفوق مداركه، ويصبح هو تابعا للواقع، وهناك مثقف لا يعاين بل ينطلق باتباع المنطق والمؤشرات في قراءات يستشرف خلالها المستقبل، يضع رؤيته للأمام على قواعد منهجية يُحتمل أن تصيب وأن تخيب، لنجد في المحصلة أن كلا الدورين ليسا متعاكسان وإنما يكملان بعضهما، فبدون الاستشراف لا دور للثقافة، ودون المعاينة أيضا لا دور للثقافة.


الجانب الاخر عندما ننظر لحالة المثقف ودوره في حالة الهزيمة وفي حالة النصر،  ولنتنبه هنا إلى أن دور المثقف في حالة الانحطاط والهزيمة اخطر من دوره في الرقي والتصاعد، فنحن أمة جاءت كنتاجات هزائم، ولاجل ذلك ازماتنا لا تنقطع ، فمثلاً ذهبنا الى عربة بمنطق فرض القوة ، وتم تهميش اي دور للنحبة المثقفة، والسؤال الآخر هل للمثقف دور بما يجري بالحراك الذي تجاوز عامه الثاني في الشارع الاردني، الحراك سبقه ويحاول ان يلحقه، الحراك لدينا لا يقوم لا على فكر ولا على سياسة، وينبغي علينا رؤيته من زاوية شمولية لا نسقط خلالها علاقته كأحد إفرازات ذات علاقة تاريخية بالمنطقة والعالم بشرخ ذي صلة بانهيار  المعسكر الاشتراكي وهيمنة المشروع الرأسمالي، فلننظر لبداية الخصخصة التي هي أيضا احدى مكونات افراز المشروع الرأسمالي العالمي وآثاره على اقتصاديات دول المنطقة، حيث كان من نتائج الخصخصة لدينا ظهور شرخ طبقي اصاب بنية المجتمع عاموديا، بفعل استئثار اصحاب المنافع من متنفذين وعلاقاتهم بالخارج ودوائر صنع القرار بالعالم ، فهناك شريحة من الاثرياء من أصحاب المصالح والشركات العابرة للقارات ويمارسون دورهم المنفعي لمصالحهم لا للوطن، وهناك شريحة اقصيت واضطهدت وسلبت حقوقها لتمتد فيما بعد لتشمل الطبقة الوسطى التي أصبحت مهددة بالإندثار.


فما دور المثقف امام حالة كهذه، الثقافة هنا ينبغي ان تمتزج اكثر مع السياسي، بمعنى ان يميل السياسي لتبني الثقافة لجَسر الهوة بين الشارع والحراك، و ينبغي على الدولة ان تتبنى الثقافي لايجاد حالة من الحوار متصلة بالحراك لتوفير حلول على مدى زمني لا يقل عن عشر سنوات في سبيل الإصلاح العملي الخادم، فالاصلاح يصب بقوام الدولة ومن مصلحتها ولذلك الدولة مع وتريد الاصلاح


أخبار البلد : بين المثقف والاكاديمي والاعلامي أين يقف د. خالد الجبر ؟


د.جبر : بداية دعوني أعرج على بدايتي الدراسية، فقد  تحوّلت عن دراسة الهندسة إلى اللغة العربية في جامعة النّجاح في نابلس، ودرست الهندسة قبلها ذلك سنة في ليبيا في جامعة قاريونس في بني غازي/ ليبيا ، عملت بالتدريس من منطلق عشقي لمسألة تعليم وتطوير وتثقيف الآخر، فالتدريس ليس مهنة، التدريس عشق اذا وقع الانسان في غرامة لا فكاك منه، وما أملكه من الثقافي أوظفه في الاكاديمي، والاثنين معا أوظفهما في العمل الإعلامي الذي يقوم على ضرورة الموسوعية في المعلومة لتكون اعلاميا قادرا على ادارة دفة الحديث في اللقاءات والحوارات والاعمال الاعلامية ككل.


أخبار البلد : في الشأن الأدبي الثقافي، هل لدينا مدونة شعرية أردنية ؟


د.جبر : في واقع الحال لدينا شعر، ولدينا شعراء، لكن للأسف العميق غلبت علينا توجهات ثقافية واعلامية قتلت ذائقتنا الشعرية وسممتها ، الشعر ذائقة قبل ان يكون كلاما او فكرا او صورة، شعرنا بدأ بالانفصال حتى عن الذات، والرحيل نحو تهويمات اغلب الاحيان لا لغة فيها ولا صورة ولا ايقاع او فن او جمال واحساس.
جمهور الشعر جمهور خاص كمرتبة وشكل الشعر، أصبح بضاعة خاصة، ونحن امة شاعرة، لغتنا شاعرة، الشعر شكل وجودنا ورؤيتنا ، منذ عقود والشعر يأخذ منحى مختلفا إذا اختلت بيئته، ذاتية البعض من الشعراء اقصت جمهور الشعر، هذا بالاضافة إلى حكر المشهد الابداعي الشعري واستئثار البعض فيه بمساهمة مقصودة أو غير مقصودة من صاحب القرار المسؤول عن توزيع المنتج الابداعي للمتلقي ، هناك للاسف من يعتاش على الابداع الشعري او الادبي كسلعة كما اوردنا، يكتب ليحصد مردودا ماديا فحسب، ودون النظر لردة فعل مهتمي او متذوقي الشعر، لدينا مؤسستان تعنيان بالمشهد الابداعي الثقافي  تحتاجان للتطوير، قسم الدراسات في وزارة الثقافة والدائرة الثقافية في امانة عمان، وذلك لتطوير المشهد الادبي الابداعي عبر توفير فرص متوازية تشمل كل اصحاب الطاقات والابداعات ودون النظر للأسماء.


أخبار البلد : على من تقع مسؤلية التثقيف والتوير للجيل الراهن من شرائح مجتمعنا الأردني ؟


د.جبر : مسؤولية التثقيف والتنوير مهمة جدا حساسة وتتسيد سلم الأوليات في السياسات التعليمية والمجتمعية كما هو مفترض، هناك قسم كبير يلقي باللوم على الاسرة واخر على المدارس والمؤسسات التعليمية، وقسم اخر على المنبر الديني، واخرين على الاعلام.
أتفق مع من ينادي بأن التثقيف مهمة دولة، فقطاعات المشهد التنويري التثقيفي مربوطة بالدولة الحاضنة الرسمية للمجتمع الصغير/ البيت والمجتمع المفتوح المدارس والمنابر الدينية،والأهم لدى الدول إعلامها العام والخاص، وعليه كما أرى يقع الجزء الأكبر من المسؤولية ، إلا اننا للأسف نفتقر لمنظومة التخطيط الاستراتيجي ، فليس لدينا تخطيط على المستويات الاخرى فكيف يكون للمستوى الثقافي والتنويري.
 
أخبار البلد : هل ترى الهوية الأردنية واضحة المعالم جلية الملامح في المدونة الثقافية ؟


د. الجبر : احب ان يظل الاردن على ما نشأ عليه وهو من نشأ عربيا قوميا اسلاميا، أقول قوميا لنسيج الاردنيين، لدينا الفة وتعايش وتلاحم وانسجام، ، لدينا قوميات شركسية وشيشانية وآرمنية جميعها أسهمت  في نمو المجتمع الاردني ونهوضه وعروبيا بدليل تسليم السلطات التنفيذية عبر رؤساء الوزرات لاشخاص من جذور عربية لا أردنية ، ولأننا شعب متكامل ثري فكريا وعقائديا بإرثه، فجعت لنبأ المشروع السياسي لضم الاردن لمنظومة دول الخليج لما يسمى دول التعاون الخليجي، هويتنا نضجت ومعالمها جدا واضحة لا تحتاج لصقل من الاخر، الا اننا لا بد وان نعترف بأننا في الاردن أصحاب دور في خلق التوازنات الساسية عربيا وعالميا ولا زلنا نسير بشكل جيد بهذا الاتجاه خارجيا، أما داخليا لدينا ثغرات وهوات يجب العمل عليها بصرامة وربما بأثر رجعي، فللأسف يعد الاردن من اكثر الدول تغييرا لحكوماتها، فعندما تذهب حكومة ما وتأتي أخرى يبدأ الخطيط من الصفر ونسف خطة السابق، وقبل ان تتم المباشرة بنفيذ الخطط تأتي حكومة جديدة، الامر الذي يربك ويعرقل اي مخطط اصلاحي.


أخبار البلد : هل أنت راضٍ عن المشهد الابداعي الادبي الأردني عامة ؟


د. الجبر : لا نستطيع ان نقلل من شأن مبدعينا ومنهم قامات ادبية تمت ترجمة اعمالهم للغات عالمية، الا اننا نتوقف بعض الشيء عند فكرة لا كرامة لنبي في وطنه، فلا زلنا نتسوق ونسوّق ادباء غير اردنيين ، حيث يحتكم المشهد النقدي الأدبي لحالات معينة من قبل بعض المشتغلين بالنقد الأدبي، ممن يحتكمون للعلاقات والشخصنة أكثر من احتكامهم لقيمة العمل الابداعي، ما اسهم في وجود حركة نقدية ، نحن امام حركة نقد تعيش حالة ذهول ودهشة امام كتاب اردنين، ايمان الاكاديمي بفكرة النقد قتلت النقد، النقد في الاردن يعنى بالاعمال الادبية الكاملة ومنصرفون عن الاعمال الضعيفة التي تستوجب الوقوف عندها وتحليلها وتفكيكها للوصول الى منابع ضعف العمل ومن ثم اعطاء صاحبة والمشتغلين بالعمل الابداعي فرصة الارتقاء والتطور بتجاوز ما يضع النقد يده عليه من ضعف العمل الادبي المتناول بعملية النقد..


وبهذا المقام، أنوه للدور الهام المناط بالاعلام الالكتروني في تبني الطاقات والابداعات المحلية، وتوفير فرص النشر لهم وفتح منابر الاعلام الالكتروني امام العامة سيّما وأنهم يمثلون الغالبية العظمى من رواده.
 
 
Raida_ Shalalfeh@yahoo.com