من يتحمل تداعيات «الزحف المقدس» أمام الله والشعب

 
كتب : رياض منصور

في هذه اللحظات نفتقد قيادات اسلامية حكيمة قادت جماعة الاخوان المسلمين لعدة عقود بحنكة واقتدار شاءت الاقدار ان يكونوا ضحية برامج واجندات جماعات متشددة داخل اطر القيادة اطاحت بهم واستولت على منابع القرار وكان نتاج هذا الانقلاب اخراج الجماعة عن قواعد اللعبة الديمقراطية والعبث بالإرث التاريخي مع مؤسسة الحكم وتهديد السلم المجتمعي.

نعبر عن قلقنا الدائم مما تشهده الساحة السياسية التي تزرعها بعض اطراف جماعة الاخوان بالالغام بعد ان نجحت في حرف الحركة الاسلامية عن مسارها الذي رسمته لها قياداتها التاريخية مما بات من الصعب على الدولة التمسك بسياسة الاحتواء التقليدية التي سمحت اصلا لهذه الحركة بالبقاء على قيد الحياة وفق تفاهمات حافظ عليها آباء هذه الحركة الى ان تم الانقلاب عليهم.

نفهم ونتفهم معنى مقاطعة الانتخابات في معادلة الحسابات الشخصية لجماعة الاخوان المسلمين ونفهم حالة الهوس الاعلامي والخطابي التي تسيطر على قادة التيار المتشدد بحثا عن شعبية مفقودة ولكن ما لا نستطيع فهمه حتى الان تجاوز هذه الجماعة لحدود وقواعد اللعبة السياسية وكسر ادبيات العلاقة التاريخية مع مؤسسة الحكم ويحزننا في الوقت ذاته تسارع التفسخ والانهيار الذي طال ويطال اقدم واعرق جماعة سياسية في البلاد بعد ان شهدت تفسخات غير مسبوقة وخلافات متصاعدة دخل فيها العامل الشخصي وعوامل اخرى.

ونستعيد هنا موقف الآباء التاريخيين للجماعة وكيف انتفضوا عندما طرح احد المغامرين فيها قضية «الملكية الدستورية» فخرج القيادي الاسلامي التاريخي العريق الدكتور عبداللطيف عربيات ليؤكد ان ما قيل بهذا الشأن لا يعبر عن موقف جماعة الاخوان المسلمين بقدر ما هو رأي شخصي، مشيرا الى ان الدستور هو ما يحقق لنا الاصلاح السياسي.

ولان موقف القيادات التاريخية في الحركة الاسلامية لا يتفق مع اجندات التيار المتشدد جرى الانقلاب ليس فقط على القيادة في الجماعة وانما على الثوابت والإرث التاريخي واعترف بذلك قادة عدة عندما اقروا بانشغالهم بقضايا هامشية دون ان يلتفتوا لتيار التشدد الصغير وعمليات «التفريخ» في قواعد الجماعة.

وقد بات مطلوبا الان عودة النخب التاريخية في قيادة الاخوان والتخلص من الرموز المتشددة في الجماعة والحزب والعمل على فك العلاقة بين الجماعة والحزب لانقاذ ما يمكن انقاذه.

ان ما يفعله التيار المتشدد في الجماعة يهدد البلاد والعباد والحكومة باتت مطالبة بعد جملة من الممارسات التي ارتكبها تيار التشدد يتطلب اجراء عملية «تقليم اظافر» لان ترك الامور سيقود البلاد الى الفوضى فالوضع مقلق وحذر فوجوه الاخوان تغيرت واهدافهم استبدلت والفرصة متاحة امام الحكومة لاعادة طرح ورقة البعد القانوني في التنظيم الاخواني وهو امر سيجد ترحيبا لدى الرأي العام الذي بات خائفا وقلقا من سيناريوهات التيار المتشدد.

ان احتراف سياسة اشعال الحرائق السياسية والاعلامية واستخدام تكتيكات عدة لتفعيل وتسخين الرأي العام ليظهر التيار المتشدد بمظهر «الضحية» بات لعبة مكشوفة لانه يقدم في كل مرة خطابات غير متماسكة سرعان ما تنهار عندما يكتشف الرأي العام ان نصف الحقيقة الاخر غيب من المواقف السياسية للاخوان المسلمين.

لسنا بموقع المحنة بسبب اصرار الاخوان المسلمين على مقاطعة الانتخابات لكن ما يجري على الارض يدفعنا لطرح اسئلة كاشفة ودقيقة بعد ان اوصلت الجماعة مستويات تخاطبها مع الدولة إلى درجات متدنية لم تكن مألوفة او مسبوقة من قبل، مما خلق أزمة سياسية أصبحت الآن بموقع المحنة بعد أن عبثت هذه الجماعة بلغة التحاور وسلكت طريق الاتهامات المهددة لادبيات الحوار الوطني والسياسي الذي اعتاد عليه الأردنيون منذ نصف قرن تقريبا، وهي أدبيات كانت قائمة على فكرة بسيطة ومحورية قوامها احترام التيار الإسلامي لثوابت الدولة ومؤسساتها والاعتراف الرسمي بأن التيار الأخواني عنصر مهم من عناصر الاستقرار الأمني الداخلي والاجتماعي غير ان الجماعة ذهبت عمليا إلى أقصى مسافة مألوفة في الذاكرة ضد الدولة، وحتى الآن لا توجد إجابة واضحة ومباشرة عن السؤال التالي.. هل تشكل لغة التخاطب التي يتحدث بها قادة الجماعة العمق الإستراتيجي لها الآن؟. وإذا كانت الاجابة بنعم، فلماذا، وما هو الهدف؟. بطبيعة الحال لا أحد يعرف لماذا يحصل في الأردن الآن ما يحصل مع «الاخوان» ولكن الثابت ان الدولة قدمت كل خياراتها الممكنة لافساح المجال امام الجماعة لصناعة مستقبل الاردن الحديث.

ويبقى السؤال الكبير الذي لم ينجح اي كان بعد من الاجابة عنه والذي يتمحور حول سر تغييب او اقصاء تيار الحكماء في الجماعة الذين اداروا علاقة الجماعة مع الدولة طيلة عقود بحكمة وحنكة واقتدار.

وقبل الغوص في تفاصيل المشهد السياسي لا بد من القول ان تغييب النخبة التاريخية في الجماعة جرى لصالح اجندة سياسية تحمل في تفاصيلها ما هو ابعد واخطر من قضية انتخابات ومع ذلك فاننا نسجل للدولة مرونتها وأبوتها في تحمل «النزق السياسي» لجماعة الاخوان واصرارها على عدم المساس بهم برفضها المطلق الضغط على العصب الحيوي لهذه الجماعة قانونيا عبر استخدامها لورقة الوضع القانوني للجماعة المرخصة اصلا كجمعية خيرية لا يحق لها ممارسة العمل السياسي.

اذن، الدولة بدورها تتمسك بقواعد اللعبة الديمقراطية رغم تمادي «الاخوان» وذراعهم السياسية وتجاوزهم حدود وقواعد اللعبة السياسية وكسر اخلاقيات العلاقة التاريخية مع الدولة ومع ذلك فان خيارات الازمة بين الاسلاميين والدولة اصبحت احادية الان ولانقاذ ما يمكن انقاذه من تاريخ وسمعة هذه الجماعة فانه امام قادة الاخوان المسلمين الذين ابعدوا العودة الى واجهة الجماعة والتخلص من الرموز التي عبثت بإرث العلاقة التاريخية مع الدولة فالتوتر المرتفع في العلاقة بات يتطلب من رموز التاريخية تنشيط الخلايا المعتدلة داخل التنظيم.

لا نريد فتح كل الملفات المؤلمة لكن ما نود الاشارة اليه هو اكبر بكثير من فتح ملفات مغلقة فها هي جماعة الاخوان تتمادى في اطلاق التصريحات حول الربيع الاردني بهدف صرف الانظار عما ستقترفه في الخامس من الشهر المقبل وهو موعد مسيرتها غير الواضحة الاهداف فلا ندري لما اطلق عليها اسم «الزحف المقدس» فقد اعتقدنا لدى سماعنا اطلاق هذا المصلح بان الزحف سيكون جهاديا نحو القدس واذا به سياسيا نحو ساحة النخيل لكن ما لفت انتباها هو دعوة الجميع بمن فيهم ذوو الاعاقات الخاصة للمشاركة في هذه المسيرة وهنا نضع ايدنا على قلوبنا ونسأل.. ماذا لو مات احدهم في غمرة التزاحم..؟ والاجابة واضحة هنا فالجماعة تبحث عن شرارة لاشعال النيران وتبحث عن ضحية لتحمل الدولة مسؤولية الكارثة ويبدو انها اعدت لذلك جيدا الامر الذي يتطلب من رموز الاعتدال التحرك الفوري لاستدراك الامر واعادة الحركة الى ما كانت عليه بعد ان امست مختطفة من قبل بعض القيادات الطارئة.

لسنا مكترثين بمقاطعة الاخوان فالانتخابات تكتسب شرعيتها من الدستور لا من مشاركة هذا الطرف او ذاك لكن محاولات البحث عن شرارة تلهب الحرائق يوم الجمعة المقبل يدعو للخروج عن صمتنا والتحذير مما يعد تخطيطا وتنفيذا للخامس من الشهر المقبل لانه يشكل خروجا عن المألوف القانوني والسياسي والاجتماعي ولا يمكن تسويقه كمؤشر على العمل الديمقراطي.

ما سيجري يوم الجمعة المقبل لن يمر مرور الكرام لان الذاكرة الشعبية الاردنية لن تغفر لجماعة الاخوان المسلمين اي تداعيات لما اسموه «الزحف المقدس» لانها وحدها من يتحمل نتاج اعمالها امام الله والشعب والقانون.