لا حرب قادمة


في وقت سابق من هذا الأسبوع أطلق المسؤولون الإيرانيون تهديدات صريحة لإسرائيل في حال أقدمت الأخيرة على ضرب المنشئات النووية الإيرانية، وبالطبع كان آخرها تصريح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الإثنين، الذي قال فيه: "إن إسرائيل ليس لها جذور في تاريخ الشرق الأوسط وسوف تزول." وكما نعلم جميعاً أن تبادل التهديدات بين الجانبين ليس أمراً جديداً لكن الجديد أن إيران ولأول مرة تلمح بإحتمال أن تقوم هي بضربة إستباقية. وهذا ما جعل الأزمة الإيرانية-الإسرائيلية تأخذ منحى متسارعاً نحو بوادر الحرب. ومما لا شك فيه أننا سنشهد اليوم خلال افتتاح المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة المزيد من الحروب الخطابية.
إن إسرائيل تدرك تماماً أنها لن تستطيع مهاجمة إيران دون مساعدة الولايات المتحدة المنشغلة حاليا في الإنتخابات الرئاسية، وبالطبع لن يقوم الرئيس أوباما بأي عمل عسكري يكلفه كرسي الرئاسة، خصوصاً أن واشنطن تسعى جاهدة إلى استقرار أسعار النفط عالمياً على الأقل خلال فترة الحملة الرئاسية، ولنا أن نتخيل كم سيصبح سعر برميل النفط الخام إذا ما عرفنا أن ثلث النفط الخام في العالم يعبر من مضيق هرمز.
هذا من جانب، من جانب آخر هناك انقسامات كبيرة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي حيال الموقف من الحرب، ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك ورئيس الوزراء بنيامين نتيهاهو من أجل شن الحرب، نجد أن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وبعض كبار الضباط يعارضون الحرب وبشدة، ومع وجود مثل هذه التباينات في بنية النظام السياسي الإسرائيلي نجد أنه من الصعوبة بمكان أن يُتخذ قرار شن الحرب. ويدرك الإيرانيون هذا الأمر، وهذا يمكن أن يفسر لنا تهديدات الجنرال محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري يوم السبت، فالإيرانيون يسعون لتعزيز موقف معارضي الحرب الإسرائيليين من أجل إفشال خطة العمل العسكري.
إذا ما الذي يحدث؟
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تشاطر إسرائيل المخاوف بشأن برنامج إيران النووي، لكن تل أبيب وواشنطن تختلفان في طريقة الحل؛ وهذا ما يظهر في توتر العلاقات بين أوباما ونتنياهو، حيث يحاول الأخير الضغط على أوباما من أجل وضع خطوط حمراء حيال إمتلاك إيران للسلاح النووي، وبحسب صحيفة "يدعوت أحرونوت" فقد أكد أوباما خلال مقابلة أجراها مع شبكة "سي بي أس” الأمريكية،أن الضغط الإسرائيلي لوضع خطوط حمراء أمام إيران ما هو إلا "ضجيج في الخلفية يحاول أن يتجاهله."
إن الولايات المتحدة تدرك أن الطريق الدبلوماسي سوف يؤخر إيران عن إنتاج القنبلة النووية، لكنه حتما لن يمنعها في نهاية المطاف من إمتلاك السلاح النووي. والمفارقة أيضاً أن ضربة إيران لن تمنعها من إمتلاك السلاح النووي أيضاً؛ فإيران تمتلك المعرفة اللازمة لإعادة بناء المفاعلات من الصفر، وبالتالي حتى لو دُمرت جميع المفاعلات، فستعود إلى بنائها مجدداً. وجهة النظر الأمريكية هنا تقول أن الإيرانيين في حال دمرت منشئاتهم النووية هم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وسيسعون إلى القيام بعمليات نوعية داخل الولايات المتحدة وسيشنون الهجمات على السفن في مضيق هرمز مما يخلق أزمة كبرى.
وتمتلك الولايات المتحدة خيارات سلمية تبدو أنجع وأقل تكلفة، يأتي ذلك من خلال المفاوضات مع الدول الخمس + 1 ، والهدف هنا إرغام إيران على تجميد تخصيب اليورانيوم عند نسبة 20 بالمائة، وشحن المخزون الحالي لليورانيوم بنسبة 20 بالمائة إلى الخارج لتصنيعه في سبائك لأنه من الصعب جداً تحويل مثل هذه السبائك للإستخدام في قنبلة. كما أنه من المهم بمكان إنهاء مخاوف إسرائيل حول المنشأة تحت الأرضية فوردو (موقع دفن تحت جبل بالقرب من مدينة قم) وضرورة تعليق تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمائة في المنشأة. كما أنه يترتب على الجانب الإيراني قبول البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يمنح الوكالة حقوق تفتيش واسعة للتحقق من مدى الإلتزام الإيراني بهذا الشأن.
في المقابل ستبدو إيران سعيدة في ذلك مقابل تخفيف الضغط عليها باتجاه التخصيب بنسبة 3.5 بالمائة والتقليل من العقوبات الإقتصادية.
السيناريو الأقرب:
حقيقة الأمر أن الحرب ليست ممكنة على المستويين العملي والنظري، وأوراق الملف النووي الإيراني باتت معقدة والتكهن بها يزداد صعوبة مع الأيام.
وبما أن منشأة فوردو النووية تشكل مصدر القلق الأكبر لإسرائيل وأحد أهم الأسباب التي رفعت من مستوى التهديدات المتبادلة بين الجانبين، بسبب عمليات تخصيب اليورانيوم غير المضبوطة. وهنا يبدو لنا أن جل ما يمكن أن تفعله إسرائيل حيال ذلك هو ضربة خاطفة للمنشأة على غرار ما حدث في سوريا مستغلة تأييد دول الخليج التي تعتبرها فرصة لإضعاف الجارة الشيعية الطموحة، في حين أن النظام السوري الحليف لإيران لن يكون قادراً على فعل شيء بسبب الأزمة السورية، بالإضافة إلى أن حزب الله سيكون منشغلا بالحفاظ على نفسه داخل لبنان مع تعاظم خصومه في الآونة الأخيرة. كما أن إيران لن تغامر بخوض حرب ضروس مع إسرائيل تكلفها الكثير، وستكتفي –أي إيران- على الأغلب بحق الرد في المرات القادمة.

الكاتب: عماد عبدالله عياصرة
باحث ومحلل سياسي