اخبار البلد - ياسر أبو هلالة
أحيانا أصدق نفسي وأجتهد في التفكير تحليلا وتشخيصا وأعود للتاريخ وأدقق في الحاضر وأستشرف المستقبل، وأتمنى لو أني أقرض الشعر لأقدم أفكاري بأجمل صورة، وتتورط أكثر عندما تلتقي بأصدقاء منهم يصدعون رأسك إن قرؤوا كتابا أو سمعوا أغنية لفيروز أو وصلهم بالبريد مقال في الجارديان، أو تصادف أن التقوا مسؤولا نافذا أو ديبلوماسيا غربيا، أو شاهد برنامجا حواريا أو استمع لإذاعة في الصباح. في بلادنا، لا تتعب نفسك بالتفكير. الواقع عجائبي لا يخضع لمنطق وكأنك في "إليس في بلاد العجائب".حقيقة لا أعرف أين يسيرون بنا.
وقد بدت لي الصورة عجائبية أكثر وأنا في اسطنبول. عندما عملت في تركيا أول مرة في 2002 عندما تولى حزب العدالة والتنمية السلطة كان اقتصاد تركيا أسوأ من اقتصاد مصر اليوم وعليها ديون لصندوق النقد تزيد على 25 مليارا، اليوم تركيا سددت قروضها وأتاح لها فائضها المالي التحرك ليس في سورية والعراق وإنما في الصومال وبورما.
من عجائب الأردن أن أمانة عمان مدينة بمبالغ ضخمة، بحسب ما صرح رئيس لجنتها المهندس عبد الحليم الكيلاني، مع أن الأمانة ظلت تاريخيا دائنة لا مدينة، هذه العجيبة الأولى في مديونية أمانة عمان، أما عجائب المديونية العامة فتلك حكاية تطول! عجيبة ثانية مقارنة بإسطنبول، حافلات التردد السريع تعمل عندهم بشكل مذهل إلى جوار المترو والترمواي، وعندنا توقف المشروع مع أننا نفتقد أيضا للمترو وللترمواي. ونبقى في عجائب تركيا في ظل بدء الدوام المدرسي والجامعي، فمع أن تركيا بلد رأسمالي وليس اشتراكيا فإن الدولة تمكنت هذا العام من جعل التعليم من الروضة إلى الدكتوراه مجانيا.
والطالب الجامعي مؤمن أيضا بمواصلات مجانية ووجبات وكتب.هذه الثالثة. العجيبة الرابعة هي قانون المطبوعات والنشر، منذ عقد كنت أشاهد عشرات سيارات البث أمام رئاسة الجمهورية أو مجلس النواب لنقل الأخبار، والحكومة على ما حققته اقتصاديا وسياسيا تصَب عليها سهام النقد دون رأفة، ولا قانون جديدا يقيد أو يعطل.
عندنا بطء تشريعي يصل إلى العجز في القوانين الرجعية ، ولكن السرعة القياسية التي أنجز بها قانون المطبوعات والنشر تذكرك بقانون "من أين لك هذا؟" الذي يظل شعارا لا يطبق. مع أنه سؤال أخلاقي قبل أن يكون تشريعيا. مجلس النواب أسرع في قانونين واجهتهما معارضة واسعة؛ الانتخابات والمطبوعات، تباطأ في تشريعات مهمة في حياة المواطن.
العجيبة الخامسة، الأصل الدستوري أن مجلس النواب يقود البلاد، ولو أن الرسالة التي قدمت بحق فايز الطراونة من 89 نائبا قدمت في أي بلد آخر، لأسقطت الحكومة، وقد تضمنت المذكرة كلاما كبيرا في الإصلاح والتعيينات والانتخابات، وفقرة واحدة تحدثت عن الأسعار، ومثل هذه المذكرة تسببت في استقالة حكومة طاهر المصري. والعجيب، ماذا حصل للرسالة؟ في العجائب يعتدى على معتصمين أمام منزل الروابدة وينتهي الاعتداء بحشد عشائري مضاد، وتسويات عشائرية.
بقيت السابعة، تقوم الدنيا ولا تقعد على الفيلم المسيء والحكومة عندنا لا تقول رأيها (أو تتأخر كثيرا في قوله!)، إدانة للفيلم ولردود الفعل الغوغائية التي أدت إلى مقتل دبلوماسيين، مع أنها متهمة بالثرثرة في القضايا المحلية والدولية. تكفي تلك العجائب ولا نحتاج المزيد !