سورية عندما تحسم .. تدور الدوائر على أصحابها .. محمد شريف الجيوسي
محمد شريف الجيوسي - أخذت سورية جانب الحزم في التعامل مع العصابات المسلحة التي تضم إرهابيين محليين وعرب وآسيويين واجانب..منذ أن اعلن الفريق الدولي تجميد عملياته في الأرض السورية ، لكن سورية لم تكن بعد قد أخذت قرارها بالحسم العسكري، حيث كانت ما تزال تراهن على حل سياسي للحالة،من خلال الحوار(الذي ما زال رغم ذلك متصلا لكن دون مراهنات) أو من خلال اتصالات سياسية وديبلوماسية على المستوى الدولي بالتنسيق مع أصدقائها الدوليين .
لكن اغتيال القادة العسكريين والأمنيين السوريين الأربعة،ووقوع الإعلام الفتنوي النيتوي المشيخاتي في استعراض غبي جديد،وتصريحات مسؤولين مهمين وغيرهم بأن سورية انتهت وبأنه لم يعد للحوار من مكان،انطلاقاً من الثقة بهذا الإعلام المضلل المخادع؛ وبما أطلعوا مسبقاً عليه من ساعات صِفرٍ صُفر،كل ذلك كشف النوايا والخلايا النائمة والبيئات الحاضنة لها في العاصمة؛ دمشق،وأطرافاً في الخارج لم يكن ضلوعها واضحاً،ما جعل دمشق تنتقل من الحزم إلى الحسم،ومعها الدنيا كلها،عدا بيادق البيادق والركع الخنّع لغير الله جل وعلا.
ليس سراً أن اصطياد إمعات ومضللي العصابات المسلحة يتم الآن كالأرانب،رغم كل الشحن الضغائني الذي عبؤوا به،والتعصب الأعمى وتسكير العقول عن الفهم ومجرد الاستماع للآخر
(أي آخر)غير ما يلقنوا به من أحقاد وضغائن وحشو مذهبي طائفي أعمى،ورغم ما حظوا به من تسليح عال ووسائل اتصال متقدمة(هي الآن غنائم في أيدي رجال الجيش العربي السوري الأشاوس) فضلاً عما استرجعوا مما سرقوه من مؤسسات الدولة ومن مستشفياتها.
كانت سورية قبل عملية الحزم تتكبد يومياً العديد من الشهداء والجرحى والمختطفين من كفاءات علمية وإداريين كبار رجالاً ونساء، وكان التشويه والتمثيل المعنوي والجسدي خلة الإرهابيين الرئيسة، فيما الدولة تحسن الظن وتطلق سراح آلاف المعتقلين لقاء تعهدات بالتوقف عن حمل السلاح ضدها،لكن بعضهم عاد إلى حمله تكراراً،والبعض كانت تستخدمهم العصابات دروعا بشرية او تجبرهم على حمل السلاح قسراَ أو أن يقتلوا ويمثل بجثثنهم ويجري الانتقام من احبائهم وإصدار قوائم تشهير بهم.
لقد (أطالت) سورية بالها اكثر مما ينبغي،وراهنت على أن يعلوا صوت العقل والوطن والمصالح الاستراتيجية العليا لسورية والسوريين،عند أولئك، لكن هؤلاء كانوا كلما فتحت الدولة باباً للحوار والحل السياسي أغلقوه وصعدوا من اعتداءاتهم،وقد غرتهم انتصارات وقتية لإسلاميي النيتو في غير عاصمة عربية، لا بد أنها زائلة بانتفاضات عربية شعبية حقيقية(غير ملونة بألوان عواصم الاستعمار وحلف النيتو )أو أن الغرب سيتخلي عنهم بعد لفظهم وانتهاء دورهم في تقسيم المنطقة مذهبياً وطائفياً وإثنياً، إن استطاعوا ولن يستطيعوا .
وحيث أن الطبيعة والحياة والمجتمعات لا تقبل الفراغ .. فقد بدأت الدوائر تدور على محركيها خلاف قواعد الأشياء وقوانين الطبيعة والمجتمعات وضروراتها،والأمثلة ماثلة،ما بات يستوجب تلمس البعض لرؤوسهم.وما بدأت تشهده تركيا من اتساع الحرب الكردية مجرد مثال، لغباء قيادة راهنت على الوهم والسراب والنيتو،وفي ظل أسوأ ظروفٍ يمر بها هذا الغرب مجتمعاً ومنفرداً،بالاشتراك مع جماعات مهترئة فتنوية وصفها إمام المسجد الأقصى المبارك الشيخ صلاح الدين بن إبراهيم بأنها (ساقطة في العلم والدين ) .
وسيكون وضع النيتو أياً تكون خيارته،أسوأ مما يحتمل،سواء كانت تركيا(الأطلسية)ساحة الصراع المقبلة أوالمشيخات (النفطية الدولاراتية )أو(إسرائيل)المعشوقة الأولى والأخيرة..وقد تكون اكثر من ساحة في آن أو جميعها،وقد يكون زوال المشيخات من الخارطة الجيوسياسية افضلها (من وجهة غربية)بما يوفر جرعة عاجلة للاقتصاد الغربي المهترئ،بالاستيلاء على مدخراتها في مصارف الغرب،ولكنها لن تكون حلاً استراتيجيا لمشكلاته،حيث سيفقد وارداته النفطية بالنتيجة منها أو سيتم ذلك وفق شروط غير مناسبة له (أو فد تدمر بنتيجة الصراع).
لقد ظنت واشنطن وفي ذيل القافلة عواصم الغرب المتلهفة لشيء من غنائم حروب استعمارية بائدة، تحلم بعودتها، انها باتفاقها مع مكتب ( إرشاد ) جل أقدام اعضائه في القبو، لا علاقة لهم بمستجدات الدنيا والسياسة،ولا بعلم أو دين، وبالاستعانة بأعدائها في أفغانستان، ليكونوا هنا طلاب حرية وديمقراطية!؟ وبوهابيين أكثر خلق الله في زماننا انغلاقاً وتخلفا .. أنها قادرة على تغيير كل شيء في الوطن العربي وحواليه، لكنها الآن باتت تعاني من حالة صدمة عصبوية نازفة في الفرص والمآل والرصيد والواقع والمستقبل .
سورية بالحسم الذي كانت قادرة على تنفيذه منذ بدايات الأحداث،تعمل الان عليه،حيث لم ترْعَوْ العصابات المسلحة وجيشها الهر ومجالس السمر في فنادق ألـ 7 نجوم العثمانية والغربية الاستعمارية،ولا مِن خلفها الدوائر الاستعمارية،وظنت ان رغبة سورية في الحوار الجاد المفضي إلى حلول سياسية مقبولة من الجميع ضعفاً وهواناً .
أرادت واشنطن ان تجعل من الحرب في سورية مقدمة لتجزئتها والمنطقة العربية الإسلامية إلى دويلات طائفية ومذهبية وإثنية متصارعة فيما بينها بالنيابة عن الغرب والصهاينة،بحيث يكون الكيان الصهيوني الكيان الأقوى الآمن الوحيد في المنطقة، وتكون مصالح الغرب في المنطقة ومحيطها من نفط وخامات أخرى ومعابر وأسواق وواردات ومياه؛ آكثر من آمنة له وحده وشل مصالح الآخرين دون استثناء فيها.
لكن ما يحدث الآن في سورية على أيدي الدولة السورية وجيشها الوطني البطل ، قلب ويقلب سحر الساحر عليه،والقادم وحتى نهايات هذا العام،سيكون أكبر مما يتصوره عقل بشري او حاسوب(متطور) غربي .