الآباء والأطفال والصيف..التحدي السنوي!

يشكل فصل الصيف تحديا حقيقيا أمام الأهالي في كيفية قضاء الوقت مع الأطفال والأبناء. وإذا كان الأمر سهلا مع الأبناء الكبار الذين يستطيعون إيجاد نشاطات مستقلة لهم فإن الصعوبات تكون شديدة في كيفية تنظيم نشاطات للأطفال ومساعدتهم على قضاء وقت مفيد في مواقع نظيفة وآمنة وبكلفة معقولة، وهي معادلة صعبة التطبيق جدا في الأردن مما يستدعي أحيانا اقتصار معظم النشاطات على المنزل. هذه تكون فرصة ممتازة أيضا للآباء والأطفال في "تطبيع” العلاقة بين الطرفين وتعزيزها. أعتقد جازما بأن الأطفال كائنات في منتهى الدهاء وهم يعرفون تماما ما الذي يغيظ الآباء ويكررون تنفيذه، وعندما تتحالف قوى الأطفال لإزعاج الآباء يتحول الأمر إلى سيرك حقيقي خارج عن السيطرة، فكيف يمكن قضاء وقت ممتع في اللعب مع الأطفال؟
بشكل يومي تقريبا يفقدني التوأمان زيد ويارا الصواب، خصوصا عندما أكون غير قادرا على إدارة وتنظيم مستوات الطاقة الكبيرة لديهما. في المعدل أمضي مع زيد ويارا 5 ساعات متواصلة في فترة ما بعد الظهيرة والمساء ، في نهايتها أكون قد وصلت إلى قمة التحمل النفسي والعصبي ومن ثم ابدأ بالتهديد مؤكدا لهما بأنهما عندما يكبران ولا تكون هنالك حاجة لرعايتهما كل دقيقة سوف اصنع لنفسي غرفة خاصة وأمنعهما من دخولها حتى أستمتع وحدي بهدوء وبدون إزعاج.
ولكن وبعد نومهما مباشرة أشتاق إليهما وأتذكر مقالب اليوم وابتسم وأضحك لها وأدرك تماما بأن هذا الوقت هو أجمل أوقات تربية الأطفال على الإطلاق خاصة ما بين عمر سنتين وسبع سنوات حيث تكون كل مظاهر المحبة والفرح والترقب والسعادة موجودة وبتدفق متواصل وبدون شروط. بعد ذلك ستكون الحياة مختلفة تماما وستكون علاقة الآباء مع الأبناء مرتبطة بمصالح ورغبات وتحديات وتفاهمات تختلف بشكل يومي وفي سن المراهقة بالذات لن يقوم اي إبن أو إبنة باستخدام جملة تبدا بكلمة بابا بدون أن تتضمن طلبا ماليا!
أحاول أحيانا تنظيم اللعب بطريقة منهجية ولكن نادرا ما تنجح الخطة فمزاج الأطفال لا يريد إلا الفوضى التامة ولكن مع ألعاب مباشرة وذات طبيعة سهلة. هنالك حاجة إلى وضع قواعد محددة ولكن مرنة إلى حد ما تستجيب مع طاقة الأطفال ولكن القاعدة الأهم هي في ضمان السلامة وكل شئ آخر قابل للتفاوض. يظهر الأطفال أيضا ميولا نحو ألعاب ونشاطات مختلفة فمنهم من يعشق اللعب الخشن أو التدحرج والتسلق والزحلقة ومنهم من يحب تركيب قطع الليجو أو تنظيم بعض الألعاب حسب اللون والحجم. ومع الوقت يمكن للآباء معرفة نوعية الألعاب التي يمكن أن تجعل الطفل هادئا وتساعده على تعلم مهارات جديدة وبنفس الوقت تخفيف الصداع والضغوط عن كاهل الأب ايضا والذي يستحق ايضا العناية والرعاية!
السنوات الثلاث الأولى من العمر هي ايضا ذات أهمية بالغة في تطوير المهارات اللغوية وقدرة الإستماع لدى الأطفال وفيها تلعب القصص والبرامج التلفزيونية المنظمة دورا هاما جدا في التعليم الهادئ وتجعل الأطفال متعودين على الجلوس والاستماع بدلا من الحراك المستمر وتنتج المخزون اللفظي الذي يساعد الأطفال على التفاعل والتفاهم مع الأهل. وسيعرف الآباء في المستقبل أن تلاوة القصص للأطفال في هذه السن هي من الحالات النادرة التي يستمع فيها الأطفال للآباء إذ أنه وبعد الثامنة من العمر ستدخل كلمات الآباء في إذن وتخرج من الثانية بسرعة فائقة وسوف نتحسر على وقت كان فيه الأطفال يستمعون بشغف إلى ما يقول الآباء!
قد تكون رعاية الأطفال صعبة واللعب معهم مرهق ولكن هذه السنوات القليلة التي قد لا تتجاوز خمسة ستبقى من أروع الذكريات التي تجمع الأطفال والآباء، وسيكون من الصعب تكرارها في المستقبل عندما يتجه الأبناء نحو الاستقلالية وتضعف قوى الآباء وقدرتهم على المشاركة، ولهذا استغلوها مهما كانت متعبة حاليا.