العين مروان دودين رجل سياسي رفيع .. ودستوري من الطراز الاول (4-4)

اخبار البلد_ هل يمكن العثورعلى سياسي أردني واحد لديه الجرأة أو المزاج أو قدرة التحكّم بلسانه بحيث يكتفي بالحديث «بعيداً عن السياسة»وفي هذا الوقت بالذات؟ نقصد في فصل «الربيع العربي « الذي أصبح فيه كل شيء سياسة، وسياسة تعوم في فائض الشك ونكهات الريبة ومحفزات رفع الصوت.

 في السنوات الماضية وحتى فترة غير بعيدة ،كان الحديث «بعيداً عن السياسة «مغرياً وممتعاً للسياسيين المحترفين. فما يعرفونه ويجهله الشارع، هو أكثر بكثير مما يودّون الخوض فيه. الآن تغير الوضع واختلطت بعض الاشارات الحمراء بالصفراء بالخضراء.. حديث السياسي «بعيداً فعلاً عن السياسة» بات وكأنه تهمة بالغياب عن الصورة أو انعدام الموقف أو شبهة بجفاف الذاكرة .

ذوات سبق وتحدثوا «بعيداً عن السياسة « وكانوا ممتعين في سردهم الهادئ، اختلفت نبرة الكثيرين منهم هذه المرّة. حديثهم أضحى أكثر إثارة بالمواقف وأثرى بالتفاصيل التي وإن كان عمرها أكثر من خمسين سنة إلا أنها تأتي موصولة بالذي نراه الآن ويفاجئنا .

الحكي «هذه المرة « له ميزة أخرى. فهو يكشف أن العديد من رجالات الدولة الذين لم نكن نرى منهم سوى صفحة التجهم واليباس، هم بعد التقاعد أصحاب بديهة رائقة وتسعفهم النكتة عندما تحرجهم الأسئلة.


حين تمتلئ البلد بالصراخ وبوجهات النظر الشخصية المتوترة والمتعارضة، فان الناس تحتاج إلى معلومة.. معلومة دقيقة واضحة محددة لتبني عليها مواقفها. هذه المعلومة التي انتظرنا ان نسمعها مؤصلة دستورياً وفي إطارها التاريخي المتسلسل، عن شعارات وقضايا كبرى من سويّة الملكية الدستورية والولاية العامة وتداول السلطة واحتمالات العودة للصوت الواحد ومصير مخرجات لجنة الحوار السياسي والقول ان التعديلات الدستورية تحتاج إلى تعديلات... هذه القضايا المفصلية لدى العين مروان دودين معلومات تفصيلية من التي نحتاج سماعها.

 فالرجل عضو في اللجنة الملكية لتعديل الدستور وقد انجزت ما يعرضه هنا أبو صخر وبالتفصيل. وهو كرجل دولة يحتفظ بقناعته ان دخولنا في الأردن لملاقاة مقتضيات الربيع العربي كان بطيئاً وليس بقوة وجرأة مملكة شقيقة كالمغرب. قد لا يعرف الكثيرون ان دودين عضو قيادي في حزب التيار الوطني الذي يجهز نفسه ليملأ جزءاً من مساحة الوسط في الانتخابات القادمة مقابل الأحزاب الأخرى.

وذلك لتسريع استحقاقات تداول السلطة التنفيذية. أبو صخر لديه موقف ومعلومات عن موضوع الصوت الواحد..



• لماذا لم نستطع لغاية الآن أن نحسم موضوعاً فائق الأهمية، وهو القبول الديمقراطي المتبادل بين الحكومات المتعاقبة والإخوان المسلمين كحزب رئيس في البلد شريك سياسي في الغرم وفي الغنم؟


أعتقد أن كل من يعتبر نفسه مسيسا ويؤمن بهذه المقولة فهو مخطيء بالتأكيد. الإخوان المسلمين في الأردن أولاً جميعهم أردنيون، ثانياً جميعهم مسلمون، ثالثاً كانوا جزءاً من النسيج المجتمعي للدولة الأردنية منذ عهد الملك المؤسس يرحمه الله عندما استقبل وفداً مصرياً قادماً من السلط في ديوان رغدان. لا أرى من أي شخص فيهم بمن فيهم الذين زادوا نبرة الكلام وطالبوا بفتح الدستور في المواد التي بها صلاحيات الملك، إلا أنني أكلمهم وأتفق معهم في كل ما يطرحونه مما يتعلق بالوضع السياسي. أما في إدارة البلاد والعباد على مستوى وزراء فاعتقد ان ليس لديهم خبرة وان نجح بعضهم مثل د. إسحق فرحان. أما في العمل الخيري فلن نجد أحداً مثلهم في هذا الأمر. إقصاؤهم عن العمل في الحكومات باستثناء مرة واحدة في حكومة مضر بدران كان لعدم وجود خبرة تراكمية لديهم.


• الحديث المتكرر على لسان عدد من المسؤولين بشأن تزوير المجالس النيابية السابقة عمّق كثيراً فجوة الثقة بين الشارع والسلطتين التشريعية والتنفيذية. بتقديركم هل هذه الاعترافات الرسمية توجب الإحالة إلى القضاء؟


باعتقادي أن تعليق الجرس في رقبة الوزير أو رئيس الوزراء أو وزير الداخلية المعني خطأ. لماذا لا نتعلم من انه في أول اجتماع للمجلس مجرد حلفه اليمين فانه يحق لأي مواطن أن يطعن في نجاح شخص ما، ويطلب إعادة عد أصواته، لكن الناس لدينا يريدون كل شيء عن طريق الوزير، مع أن هناك من يحل لهم اي قضية يطرحونها.


• الأزمة المالية في البلد لها أكثر من وجه يدعو للقلق: الأولى كما ظهر خلال الفترة القصيرة الماضية أن جهات رسمية ذات اختصاص كأنها لا تعرف حجم الأزمة أو أنها تفصل الموازنة على هواها. والوجه الثاني وهو السؤال القديم الذي يقول بأن الأردن كله بحجم مدينة أوروبية أو أمريكية، فلماذا فشلنا حتى اليوم في إدارة مالية هذه المدينة وما زلنا نخضع لعجز ومديونية متراكمة؟ والوجه الثالث للأزمة انها قد تضطرنا لدفع ثمن سياسي ونحن نبحث عن مساعدات خارجية في عصر وعالم لا مكان فيه للجمعيات الخيرية؟


أتفق معك في هذا الطرح، ولي تعليق عليه. كلنا نعلم تماماً، أننا زدنا كمواطنين عن ستة ملايين نسمة، ونستطيع أن نقول أن لدينا ما يقارب المليونين من غير الأردنيين. عندما جاء الفلسطينيون وكان عددهم حوالي 200 ألف، فإن معونة بريطانيا الكبرى التي خشي الملك الحسين أن تذهب إذا تم إلغاء المعاهدة مع بريطانيا، كانت 10 آلاف جنيه إنجليزي، وكانت تصرف على الجيش العربي.. الآن الميزانية أصبحت مضاعفة. أعتقد أن الخلل الاقتصادي لدينا نتيجة لتوسع شبكات الصحة والتأمينات الاجتماعية والتربية والتعليم وكلها جيش جرار. نحن أمام بلد شديد الطموح، ولدينا شيء اسمه ريعية في سلوك الإنفاق العام، فجزء كبير من الناس يعتمد في خدماته الأساسية من تعليم وصحة والشؤون الاجتماعية على معونات مباشرة ، المشكلة انه ما يزال ابتكار وخلق العمل غير موجود إلا عند فئة قليلة، لذلك يجب أن يتعلم الأردنيون الابتكار.


• موضوع فك الارتباط، لا يفتأ يجد من يفتحه كل فترة وأخرى في توقيتات مثيرة للتساؤل. لماذا لم نستطع حتى الآن أن نرسي هذا الموضوع الحساس على قاعدة واضحة تعفي أعداداً كبيرة من المواطنين من وطأة القلق والهواجس على مصير مواطنيتهم؟


أرجو ان لا يغيب عن الجميع أن إسرائيل هي المتسبب الحقيقي في تفاقم هذا الموضوع، فحينما بدأ الموضوع كنت وزيراً لشؤون الأرض المحتلة، وقد طلب منا أن نعتبر 15/8/1988 تاريخا فاصلاً، بمعنى أن كل من كان حتى ذلك الوقت والتاريخ مقيماً في الضفة الغربية، أو أهله مقيمون وهو يعمل أو يدرس في الخارج نريد أن نحافظ على فلسطينيتهم، ومثال على ذلك، لي شقيق تخرج من فرنسا بدرجة دكتوراة في طب الأطفال، كان مبعوثاً لأنه الثاني على المملكة، وعندما جاء للأردن تم تعيينه في مستشفى الأميرة بسمة الحكومي في إربد، وفيما بعد قرر مجلس الوزراء تشجيعاً لمحافظتنا على أن الفلسطيني يبقى في الضفة الغربية لأن المبعوث بمجرد عودته إلى الضفة الغربية وخدمته في المجال الذي تعلمه سواء في القطاع العام الفلسطيني أو في القطاع الخاص يعفى من شروط الابتعاث وهو أن يخدم ثماني سنوات في وزارة الصحة الأردنية.. في ذاك الوقت كنت عضو مجلس وزراء، عندما اتخذ هذا القرار، وجاء شقيقي في المساء وأخبرته، فذهب إلى الضفة الغربية وتم إعطاؤه كرتاً أصفر، لكن عندما جاء والدي لزيارتي بعد قرار فك الارتباط، وبعد شهر من زيارته جاء من يخبرني بأن والدك أنهى الشهر فإذا كان بالإمكان أن تمدد له الزيارة، فوافقت على ذلك. حصلت لوالدي على تمديد لمدة شهر حتى يستكمل فحوصاته الطبية، لكن أصبح واجبنا كدولة أردنية أن لا نسمح قدر الإمكان بهذا الأمر. إسرائيل كانت تسيء باعطائها الشخص تصريحاً صالحاً لثلاث سنوات لمن يذهب إلى جدة مثلا ليعمل ويطعم أهله، فعندما يذهب الشخص ويعود بعد تاريخ انتهاء التصريح بيوم يعيدونه إلى الدولة التي أتى منها، لذلك كان لا بد من ضرورة توافر شرط القدرة على الدخول بدون منع من السلطات المحتلة. أقول يجب أن يبقى الإصرار على التعاون مع الفلسطيني بأن يبقى في بلده في الضفة الغربية، أما إذا منعته سلطات الإحتلال باي وقت من الأوقات من الدخول لأية أسباب تتحجج بها الدولة المحتلة، علينا ان نراعي وضعه.


• سلسلة الزيارات الرسمية وشبه الرسمية الأخيرة للقدس أثارت ردود فعل وتحليلات وتكهنات عديدة على مستوى المنطقة، بعضها تجاوز موضوع التطبيع. ما الذي يحصل؟


على مستوى مناوأة التطبيع وفي المؤسسات النقابية الأردنية ..الخ، ما يزال مجرد الحصول على إذن السفارة الإسرائيلية في عمان للدخول إلى أرض فلسطين سواء المحتلة من اليهود في ال48 أو الضفة الغربية ،عملا تطبيعيا بالنسبة لهم. أنا لا أتفق معهم في كل ذلك، بل في جزء منه. القدس أسيرة وتهود من تحت الأرض سراً، والخوف الآن أن منطقة الصخرة المشرفة تهبط لأن كل ما حولها خندق تحت الأرض، هذه المدينة أصبحت بحاجة إلى ما يمكن تسميته تظاهرات تغطى دولياً حتى يفهم بأن ضم القدس غير قانوني ولا يجوز على الإطلاق أن يؤدي إلى هدم المنازل وتهجير الناس ثم أيضاً التطاول على المقامات الدينية ذات الصفة الغالية والهامة على كل مسلم.. المشكلة أن هذه القضية موكلة من الأمة العربية لملك المغرب، نحن حتى الآن لدينا حوالي 800 إلى ألف شخص في القدس تابعين لوزير الأوقاف الأردني ويحصلون على رواتبهم من الأردن، لكن عندما يذهب الأمير غازي مثلاً ومعه مفتي الديار المصرية، أعتقد أنها حركة لدعم توجه منظمة التحرير الفلسطينية. مصلحة الأردن بأي شكل من الأشكال أن يكون لها حصة وكلمة في مصير القدس ومعنا حق في ذلك، موجود في محكم الاتفاقيات بيننا وبينهم حيث هناك ملحق خصوصي عن القدس، وإلا لكانت تابعة لوزير الأديان الإسرائيلي.. زيارة مفتي الديار المصرية عندما يذهب مع الأمير غازي، أعتقد أنها تكريم لأكثر من سبب، أهمها أننا نكرم أبناء القدس المسلمين الصامدين.


• يعني الاحتجاج يكمن بشبهة التطبيع؟

كما ذكرت بداية، هناك من يعتبر انه مجرد الحصول على إذن من السلطات الإسرائيلية لزيارة القدس يعتبر لديهم تطبيعا. ونحن نعلم بأن سلطة احتلال لا يجوز أبداً التعامل معها، ولكن إذا أردنا أن ندخل للأقصى مثلاً لمعالجة ومتابعة وجود مواد تضخ في حيطان الجدار الجنوبي الذي كاد أن ينهار من الحفريات، أو نعيد بناء باب المغاربة، إذا كنا نفعل ذلك كدولة بموجب اتفاق السلام بيننا وبين إسرائيل، فاننا بذلك نقدم معونة اردنية أو معونات من الخارج للإخوة الفلسطينيين. هذا دعم للإخوة الفلسطينيين للصمود في ديارهم. فالزيارة بحد ذاتها تستحق من كل عربي مسلم أن يقوم بها ويصلي في المسجد الأقصى وفي مساجد فلسطين.


• إخضاع عضوية مجلس الأعيان للانتخاب بالكامل أو بأي نسبة، هل ترى أنه يحقق الأهداف الإصلاحية المنشودة؟


شخصياً لا أتفق مع هذا الرأي، لأن ميزة عضو الغرفة الثانية في البلدان التي تمارسها مثلنا، أنه شخص لا يقضي إلا جزءا يسيرا جداً من وقته في الجري وراء خدمات المواطنين من توظيف وغيره. لا شك أن الانتخاب اسلوب ديمقراطي، لكن من قال بأن الاختيار خطأ؟! مبدأ الشورى الإسلامي الذي هو هي في أعماق قلوبنا مزيج من وسائل الاختيار للأفضل. ومن وجهة نظري أفضل أن يبقى هناك مزيج من الاختيار بالاقتراع والاختيار بالتعيين. ويجب أن لا ننسى أن هناك نصا دستوريا علينا الانسجام معه. ولا أرى غضاضة في أن يبقى الأمر على حاله، وربما مستقبلاً قد تتطور الأمور فيحتاج أن يكون على الأقل نصفهم منتخبين ونصفهم يتم تعيينهم.. أيضاً مبدأ الاختيار الذي تحدثت عنه هو مبدأ شوروي إسلامي. أمر آخر أنا أتحسب له وهو قضية أن يصبح النائب وزيراً.


استراحة

• أصعب المواقف التي مرت بحياتك على الصعيدين الشخصي والرسمي؟


فقدان أعزاء وأهل وأقرباء هو أمر أسلم به تسليم المؤمن بالله وقدره. إلا ان أكثر المحطات التي أثرت بنفسي في الشأن العام كانت في بداية تسلمي الإذاعة وقد آلمني ذلك كثيراً فقدان وصفي التل يرحمه الله، فعندما يقفز وجه وصفي في مخيلتي تترغرغ عيناي بالدموع ولا أستطيع ان أمر على تلك المحطة بسهولة. هذا الرجل الذي أعرف شخصياً ان فلسطين كانت هاجسه الأكبر ولقناعاته بالهوية الفلسطينية. كما هزني من الأعماق وأيد إحساسي بانتمائي السياسي كهوية سياسية لنظام الحكم في الأردن شخص الملك الحسين يوم عودته معافى وما شاهدته لدى عودته بهذا التعبير الجماهيري الذي لا مثيل له، وكم آلمني فراقه طيب الله ثراه.