أقوى جيش في العالم لماذا عجزت أمريكا عن حسم حرب إيران بعد سبعة أشهر؟

حين تنشر صحيفة إسرائيلية مثل «معاريف» تقريرًا يتحدث عن دراسة البنتاغون إنشاء قواعد جديدة في إسرائيل والأردن، بعد تعرض قواعده في المشرق العربي لضربات إيرانية موجعة، فإن الأمر لا يعود مجرد تفصيل عسكري أو إعادة انتشار اعتيادية؛ بل يصبح مؤشرًا على أزمة أعمق تتصل بصورة القوة الأمريكية نفسها، وحدود قدرتها على فرض إرادتها في حرب كان يُفترض، بحسب المنطق الأمريكي التقليدي، أن تكون حرب ردع وحسم، لا حرب استنزاف وتكيّف ومراجعة حسابات.

الولايات المتحدة دخلت المواجهة مع إيران من موقع الدولة التي اعتادت أن تقدم نفسها بوصفها صاحبة الجيش الأقوى في العالم، والقادرة على إدارة الحروب من الجو والبحر والفضاء الإلكتروني، وعلى خنق خصومها بالعقوبات، ثم إجبارهم على الركوع تحت ضغط النار والاقتصاد معًا. لكن ما تكشفه الأشهر السبعة الماضية هو أن هذه القوة الهائلة لم تنجح في ترجمة تفوقها التقني إلى حسم سياسي أو استراتيجي. فالقوة موجودة، بلا شك، لكن الفاعلية أقل بكثير من الصورة الدعائية التي تحيط بها.

المسألة هنا ليست في عدد القاذفات ولا في حجم الأساطيل ولا في كثافة الإنفاق العسكري الأمريكي، بل في طبيعة الخصم وطبيعة الميدان. إيران لم تدخل الحرب بعقلية الجيش التقليدي الذي يواجهك في جبهة مستقيمة ثم ينهار إذا ضُرب مركز قيادته، بل دخلتها بعقلية الدولة التي تبني دفاعها على التوزيع والتشتيت والاستنزاف وتوسيع الجغرافيا القتالية. وهذا ما جعل واشنطن، بدل أن تفرض مركز ثقلها، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في خرائط الانتشار، وخطوط الإمداد، وحماية القواعد، وحتى أماكن تمركزها.

هنا بالذات تظهر المفارقة: أقوى جيش في العالم لم يُهزم بالمعنى الكلاسيكي، لكنه لم ينتصر أيضًا، وهذه في الحسابات الاستراتيجية ليست مسألة شكلية. حين تُجبر القوة الأعظم على سحب بعض أدواتها، أو إبعاد قاذفاتها، أو البحث عن قواعد بديلة، أو القبول بارتفاع كلفة العمليات اللوجستية، فذلك يعني أن الخصم نجح في تشتيت القوة الأمريكية، وكسر بساطة الخطة الأصلية، وتحويل الحرب من مشروع إخضاع سريع إلى معركة مفتوحة ومكلفة.

ولعل أكثر ما يحرج واشنطن في هذه الحرب أن الفجوة اتسعت بين خطاب الهيبة وواقع الميدان. فالإدارة الأمريكية قد تصف ما يجري بأنه «إعادة تموضع تكتيكية»، لكن المعنى السياسي الأوسع هو أن إيران استطاعت أن تمنع الولايات المتحدة من القتال بالشروط التي تريدها هي. وهذه ليست مسألة هامشية؛ لأن جوهر التفوق الأمريكي تاريخيًا يقوم على فرض إيقاع المعركة، لا على التكيف المتأخر مع إيقاع يفرضه الخصم.

في هذا السياق، يمكن استذكار نموذج آخر من أوهام القوة الأمريكية: تلك الذهنية التي طالما روّجت لفكرة أن تغيير الأنظمة المعادية يمكن أن يتم بسرعة، وبضربة مركزة، وبثلاثة أيام من الصدمة والرعب، ثم ينهار كل شيء. هذا الوهم نفسه ظهر في أكثر من تجربة، ورافق أيضًا مقاربات أمريكية متعجرفة تجاه دول مثل فنزويلا، حين تصرفت واشنطن وكأن إسقاط النظام هناك مجرد مهمة قصيرة تحتاج إلى ضغط سياسي وأمني وبعض التحريك الخارجي، فإذا بالواقع يسخر من التقديرات، وتظهر حدود القدرة الأمريكية حين تصطدم المجتمعات والدول والحكومات المستهدفة بعوامل الصمود والتعقيد والتوازنات الإقليمية والدولية.

ما جرى في إيران أكثر تعقيدًا بطبيعة الحال، لكنه يؤكد الدرس نفسه: الولايات المتحدة بارعة في إطلاق النار، لكنها ليست دائمًا بارعة في إنتاج النتائج السياسية التي تناسب حجم النيران. تستطيع أن تدمر، أن تضرب، أن تربك، وأن ترفع الكلفة على خصومها؛ لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تنتزع منهم الاستسلام، ولا أن تعيد هندسة الإقليم وفق الإرادة الأمريكية الخالصة كما كان يُتصور في غرف التخطيط.

وهذا يقود إلى خلاصة مركزية: فشل واشنطن حتى الآن لا يعني أن إيران انتصرت نهائيًا، ولا يعني أن أمريكا فقدت قدرتها على الإيذاء أو المبادرة، لكنه يعني بوضوح أن حملة السبعة أشهر لم تحقق الغاية الكبرى التي انطلقت من أجلها. لم تُخضع إيران، ولم تكسر قدرتها على الرد، ولم تمنعها من تحويل الوجود الأمريكي نفسه إلى عبء يحتاج إلى حماية إضافية وحسابات أعقد. وهذه وحدها نتيجة كافية لتقول إن القوة الأمريكية، رغم ضخامتها، لم تعد قادرة على فرض الحسم السريع كما كانت تتخيل.

إنها لحظة مكثفة من لحظات انكشاف القوة: جيش هو الأقوى في العالم من حيث العتاد والإنفاق والتكنولوجيا، لكنه يصطدم مرة أخرى بحقيقة قديمة تتكرر بأشكال مختلفة: ليس كل تفوق عسكري قادرًا على إنتاج نصر سياسي. وفي حرب إيران تحديدًا، يبدو أن واشنطن لم تخسر صورتها فقط، بل خسرت أيضًا وهم أنها ما زالت قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بضغط النار وحده.