قراءة تحليليّة في نتائج "استثمار أموال الضمان": أداء مالي مُريح وضرورة مراجعة المحافظ الإستراتيجية
تُظهر نتائج النشاط الاستثماري لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي لفترة التسعة أشهر الأولى من العام الجاري (حتى 30-9-2026) قفزة نوعية في حجم الموجودات، لتصل إلى 20.134 مليار مليار ( عشرون ملياراً ومائة وأربعة وثلاثون مليون دينار) وبنسبة نمو بلغت 8% عما كانت عليه في 31-12-2025.
اعتقد أن هذا النمو الجيد يبعث على التفاؤل، ويُقرّب الصندوق خطوة إضافية نحو تحقيق فرضيّات الدراسات الاكتوارية، والتي تُرجّح اقتراب حجم الموجودات من مستوى 28 مليار دينار بحلول العام 2030.
توجّه استثماري نحو المشاريع الإستراتيجية الوطنية:
لا بد لي من الإشادة بالتوجّه الاستثماري الجيد والجاد للصندوق بالدخول كمساهم رئيس وشريك إستراتيجي في مشروعات حيوية ذات أثر اقتصادي ووطني مستدام، ومن أبرزها:
١) مشروع الناقل الوطني للمياه: بالتملك بنسبة 15% في شركة المشروع، إلى جانب المساهمة في التمويل عبر التحالف البنكي.
٢) مشروع سكة حديد (العقبة – الشيدية – معان): بنسبة ملكية 7%، وهو مشروع حيوي يُسهم في خفض كلف النقل ويخدم استثماراتنا الوطنية الحيوية في قطاعي الفوسفات والبوتاس.
٣) مشروع توليد الكهرباء بالدورة المركبة: بنسبة ملكية 20%، وهو مشروع يسهم في تعزيز أمن منظومة الطاقة في المملكة.
٤) مشروع إنتاج حامض الفوسفوريك: بنسبة ملكية 20%
٥) إطلاق تأسيس الشركة الأردنية العُمانية للاستثمار برأس مال قدره 100 مليون دولار مناصفةً بين الصندوق وجهاز الاستثمار العُماني.
تحليل المحفظة الكلية وتوزيع العوائد الاستثمارية:
عند قراءتي لتركيبة الموجودات والدخل، خرجت بعدة ملاحظات مهمة:
الملاحظة الأولى: أن محفظة السندات لا تزال هي المحرك الأساسي المفصلي في استثمار أموال الضمان والسبب الاول في العائد المتحقق، إذ قادت محفظة السندات نتائج الصندوق لفترة التسعة أشهر بعد أن حققت دخلاً صافياً بقيمة 511.4 مليون دينار، وهو ما يمثل نحو 59 % من إجمالي صافي دخل الصندوق البالغ 879 مليون دينار للأشهر التسعة الأولى من العام الجاري 2026. وهذا لا يبرر طبعاً كل هذا التضخم والتركّز الاستثماري في محفظة السندات وهو ما أوضحه في الملاحظة التالية.
الملاحظة الثانية: تنامي القيمة المطلقة لمحفظة السندات مقابل التراجع النسبي من إجمالي الموجودات، إذ تستحوذ السندات على الحصة الأكبر من أصول الصندوق بواقع 56.2%. ويُلاحظ أن قيمتها المطلقة لا تزال تنمو بالتوازي مع نمو حجم الأصول الكلي، حتى وإن شهدت نسبتها المئوية من إجمالي الموجودات انخفاضاً طفيفاً مقارنة بفترات سابقة، فقد ارتفعت من 10.287 مليار دينار كما في 31-12-2025 لتصل إلى 11.234 مليار دينار كما في 30-9-2026 أي بارتفاع قدره 947 مليون دينار في تسعة أشهر.
الملاحظة الثالثة: محفظتان بلا إفصاح: لا تزال بيانات الصندوق لا تفصح عن نتائج كل من المحفظة العقارية والمحفظة السياحية، وذلك بالرغم من انهما تشكلان معاً 7.2% من إجمالي الموجودات (نحو 1.5 مليار دينار ) وهي نسبة ذات وزن مالي كبير إلا أن البيانات المعلنة لم تفصح بشكل منفصل عن مقدار صافي العائد المتحقق لكل منهما، واكتفت بإدراجهما ضمن بند "دخل المحافظ الأخرى".
إن هذا التجميع الرقمي يشي بأن هاتين المحفظتين لا تزالان تواجهان تحديات تشغيلية واستثمارية تحول دون تحقيقهما عوائد تتناسب مع حجم الأصول المستثمرة فيهما إن لم تكن نتائجهما سالبة ولا سيما المحفظة السياحية، مما يتطلب مراجعة إستراتيجية لآليات إدارتهما وتشغيلهما كأولوية قصوى.
الاستحقاق الاجتماعي والالتزام بالحد الأدنى لراتب التقاعد:
النتائج الماليّة الإيجابية والأداء المريح للصندوق وإفصاحات مؤسسة الضمان عن تنامي أعداد المشتركين تؤكد أن الوضع المالي للمؤسسة مريح وأن استدامتها ليست في خطر، مما ينبغي الاستدارة إلى الهدف الأسمى للمؤسسة، وهو تعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة والمستدامة، ولا سيما للمتقاعدين من ذوي الرواتب المتدنية، إضافة إلى إعادة مراجعة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان ليصبح أكثر إنصافاً وتحقيقاً للعدالة التأمينية.
بناءً على ذلك، فإن الاستقرار المالي المبشّر يوجب على أصحاب القرار الالتزام بالاستحقاق القانوني المتمثل في رفع الحد الأدنى الأساسي لراتب التقاعد، بما يضمن صون القوة الشرائية لذوي الدخول المحدودة من المتقاعدين، وتأمين العيش الكريم لهم في مواجهة متطلبات الحياة والتضخم المتزايد. كما يوجب الخروج بتعديلات متوازنة على قانون الضمان تحافظ على حقوق ومكتسبات المؤمّن عليهم والمنتفعين.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى صبيحي