"أنت اخترت".. كيف يسلب التلاعب العاطفي حرية الاختيار؟
جلست سارة أمام هاتفها طويلا قبل أن تكتب الرسالة التي كانت تعرف أنها ستغيّر شيئا في علاقتها بأحد المقربين منها. كانت قد وافقت أخيرا على أمر لم تكن تريده، لا لأنها اقتنعت به، بل لأنها تعبت من الرفض.
في البداية، كان الأمر مجرد طلب، ثم تكرر مرة ثانية وثالثة ورابعة. وكلما قالت إنها غير مستعدة، بدأت تسمع عبارات تدفعها إلى إعادة التفكير في موقفها: "أنا أطلب منك شيئا بسيطا"، و"لو كنت تهتم فعلا لما رفضت"، و"بعد كل ما فعلته من أجلك، هذا هو موقفك؟".
شيئا فشيئا، لم تعد تناقش القرار نفسه، بل أصبحت تدافع عن حبها واهتمامها ووفائها. وفي النهاية، خضعت لشكل من أشكال التلاعب النفسي الذي تعرضت له ووافقت. لكن بعد ذلك، وعندما ظهرت نتائج القرار، جاءها الرد الذي لم تتوقعه: "هذا قرارك أنت، وأنا لم أجبرك على شيء".
هذه الحالة التي عاشتها سارة ليست نادرة؛ ففي حياة كثيرين أشخاص يمارسون عليهم ضغوطا عاطفية وفكرية تدفعهم إلى اتخاذ قرارات مصيرية، حتى إن كانت هذه القرارات تصب أحيانا في مصلحة الطرف الضاغط، الذي قد لا يتأثر بتنفيذها أو عدمه. لكن ما إن تظهر نتائج غير مرغوبة، حتى يجعل الشخص الذي تعرض للضغط مسؤولا عن قرار سبق أن رفضه مرارا.
شعور بالذنب وخوف من الخسارة
تلك هي المساحة الرمادية التي يعيش فيها كثيرون من دون أن يسمّوها: شخص يضغط، وآخر يتنازل؛ شخص يكرر الطلب، وآخر يوافق حتى ينتهي النقاش. ثم، عندما تظهر النتيجة، يجد الطرف الذي خضع للضغط نفسه مسؤولا عنها بالكامل.
وتشير سارة إلى أنه، في الظاهر، كانت هناك موافقة صادرة عنها، لكن وراء هذه الموافقة إلحاح طويل وشعور بالذنب وخوف من خسارة العلاقة، وربما رغبة في إنهاء الصراع بأي طريقة.
"التلاعب العاطفي لا يأتي دائما في صورة واضحة أو قاسية. أحيانا لا يرفع الشخص صوته ولا يهدد مباشرة، ولا يأمر الآخر بما يجب أن يفعله. وقد يظهر في صورة اهتمام زائد أو خوف أو نصيحة تتكرر حتى تتحول إلى ضغط، أو مشاعر توضع أمام الطرف الآخر بطريقة تجعله يشعر بأن رفضه يعني أنه شخص سيئ".
الضغط العاطفي على الآخرين
بهذه العبارات، تشرح المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني معنى التلاعب العاطفي، مؤكدة أن من الصعب أحيانا تحديد النقطة التي ينتهي عندها التعبير الطبيعي عن المشاعر، ويبدأ عندها استخدامها للتأثير في قرارات الآخرين.
وتوضح أنه عندما يقول شخص لآخر: "أنا حزين لأنك رفضت"، يبرز سؤال مهم: هل هو تعبير عن شعور، أم أن الحزن سيتحول إلى وسيلة لدفع الطرف الآخر إلى الموافقة؟ وإذا أصبح الرفض دليلا على أن الشخص لا يحب الطرف الآخر أو لا يقدّره، فإن طبيعة العلاقة تكون قد بدأت تتغير.
وتنوه الكيلاني إلى أن المتلاعب ليس بالضرورة شخصا شريرا، ولا يمكن وضعه دائما في قالب واحد. فقد يكون شخصا اعتاد الحصول على ما يريد من خلال الضغط العاطفي؛ لأنه تعلّم، عبر تجاربه وعلاقاته، أن هذه الطريقة فعّالة. وقد يكون شديد الحاجة إلى التحكم، أو يجد صعوبة في تقبّل الرفض، أو لا يعرف كيف يطلب ما يريد بطريقة مباشرة تحترم مساحة الطرف الآخر.
وفي حالات أخرى، توضح الكيلاني أن الشخص المتلاعب قد لا يكون واعيا تماما لما يفعله؛ فهو يرى نفسه محاولا للإقناع، بينما يعيش الطرف الآخر التجربة بوصفها استنزافا مستمرا لا يترك له مساحة حقيقية للاختيار.
التنازل لإرضاء الآخر
أما الطرف المقابل، فليس بالضرورة شخصا ضعيفا أو عديم الشخصية. وتوضح الكيلاني أنه قد يكون شديد الحساسية تجاه مشاعر الآخرين، أو يخشى خسارة من يحب، أو تربّى على أن إرضاء الآخرين جزء من واجبه.
وقد يكون اعتاد، منذ سنوات، تجنّب الخلاف، فيختار التنازل لأنه يرى أن المواجهة أكثر إيلاما من التخلي عن رأيه.
وقد يشعر بالذنب لمجرد قوله "لا"، فيبدأ بلوم نفسه ومساءلتها: "هل كنت قاسيا؟ وهل بالغت؟ هل كان يجب أن أوافق؟ هل سيعتقد أنني لا أحبه؟".
ومع تكرار هذه الدائرة، يصبح الشخص أكثر استعدادا للتنازل في المرة التالية، لا لأنه أصبح مقتنعا، بل لأنه بات يعرف الثمن العاطفي الذي سيدفعه إذا تمسك بموقفه.
والأخطر، وفق الكيلاني، أن الضغط لا ينتهي دائما بالحصول على الموافقة؛ فقد يتحول القرار نفسه لاحقا إلى ورقة ضغط جديدة.
التمييز بين الإقناع والتلاعب العاطفي
وتوضح الكيلاني أنه إذا جاءت النتيجة سلبية، يصبح الشخص الذي وافق مسؤولا عنها، ويُقال له: "أنت الذي اخترت". أما إذا كانت النتيجة إيجابية، فقد تُروى الحكاية بطريقة مختلفة: "لولا أنني دفعتك إلى ذلك، لما فعلت".
وفي الحالتين، يجد الطرف الآخر نفسه في موقف لا يستطيع فيه الانتصار؛ فهو مسؤول عن القرار، لكنه لم يكن حرا تماما في الوصول إليه.
ومن هنا، تشدد الكيلاني على ضرورة التمييز بين الإقناع والتلاعب. فالإقناع يترك مساحة للرفض؛ إذ يمكن للشخص أن يشرح وجهة نظره، ويكرر أسبابه، ويعبّر عن رغبته، ثم يتقبل أن للطرف الآخر الحق في اختيار ما يراه مختلفا. أما التلاعب، فيظهر عندما يصبح الرفض نفسه مشكلة، وعندما يدفع الشخص ثمنا عاطفيا لأنه لم يوافق، أو عندما تُستخدم العلاقة ومشاعر الذنب والخوف والحب وسائلَ للحصول على النتيجة المطلوبة.
تجنّب الإفراط في تقديم التبريرات
وتوضح الكيلاني أن التعامل مع هذا النوع من العلاقات لا يتطلب بالضرورة مواجهة كبيرة؛ فقد يبدأ الأمر بجملة بسيطة: "أحتاج إلى وقت حتى أفكر".
وتضيف أن هذه الجملة تمنح الشخص مساحة لاستعادة قدرته على اتخاذ القرار بعيدا عن اللحظة المشحونة. وقد يحتاج أيضا إلى التعبير عن موقفه بوضوح، فيقول: "أتفهم أنك تريد هذا، لكنني لا أريده"، أو "أحترم مشاعرك، لكنها لا تعني أن عليّ اتخاذ القرار الذي تريده".
من جانبه، يؤكد اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع أن الشخص المتلاعب ليس بالضرورة شخصا سيئا بالمطلق، لكن عندما يصبح الضغط وسيلة معتادة للتأثير في القرارات، تتأثر الثقة داخل الأسرة وعلاقات الصداقة والعمل والزواج.
فالشخص الذي يتعرض لهذا النمط باستمرار قد يبدأ بالتشكيك في قدرته على اتخاذ القرارات، بينما يتعلم الطرف الآخر أن الضغط وسيلة فعّالة للوصول إلى ما يريد. والأسوأ أن عبارة "أنت اخترت" قد تمحو كل ما سبقها من ضغط، وتعيد توزيع المسؤولية بطريقة غير عادلة.
ومن المهم، وفق جريبيع، ألا يجد الشخص نفسه مضطرا إلى تقديم عشرات التبريرات لتفسير رفضه.
حين تتحول المشاعر إلى وسيلة للضغط
ووفق جريبيع، تتحول بعض العلاقات إلى دائرة لا تنتهي من التبرير والنقاش؛ إذ يصبح كل سبب يقدمه الشخص بابا لأسئلة جديدة من قبيل: "لماذا؟ وماذا لو؟ وماذا لو حدث كذا؟ ولماذا لا تفعلها من أجلي؟". وهكذا، يتحول شرح الرفض إلى تفاوض مستمر لا ينتهي.
ويرى جريبيع أن قول "لا" بوضوح قد يكون أكثر حماية للقرار من تقديم شرح طويل يترك المجال مفتوحا لممارسة مزيد من الضغط. ويؤكد أن المسؤولية لا تقع بالكامل على الشخص الذي يتعرض للتلاعب؛ فالعلاقات الصحية لا تعني أن يحصل أحد الطرفين دائما على ما يريد، بل أن يتمكن الطرفان من الاختلاف من دون أن يستخدم أحدهما مشاعر الآخر ضده.
ويشير جريبيع إلى أن ليست كل محاولة للإقناع تلاعبا، كما أن ليس كل خلاف دليلا على وجود علاقة مؤذية. ويظهر الفارق عندما يصبح الرفض غير مقبول، وتتحول المشاعر إلى أدوات ضغط، ويفقد أحد الطرفين حقه في اتخاذ قرار مستقل، ثم يجد نفسه لاحقا مسؤولا وحده عن نتيجة قرار لم يشعر، في الأصل، بأنه كان حرا في اتخاذه.
ويضيف أن السؤال الأهم في بعض العلاقات ليس: "هل وافقت؟"، بل: "هل كنت حرا فعلا في أن تقول لا؟".
فالموافقة التي تأتي بعد ضغط طويل قد تحمل اسم الشخص في نهاية القرار، لكنها لا تعني بالضرورة أنه كان صاحب القرار منذ البداية.
وفي مجتمع تتكرر فيه هذه الأنماط، لا تصبح حماية حق الإنسان في الرفض والاختلاف واحترام اختيارات الآخرين مجرد مسألة شخصية، بل جزءا من بناء علاقات أكثر توازنا ومسؤولية وثقة.