"الليبرالية وأخواتها"... السياق والمآلات
شهد الفكر السياسي والاقتصادي الحديث تحولات متلاحقة في المفهوم والتطبيق، إذ تنوعت التوجهات الليبرالية بين الرفض لتدخل الدولة والمطالبة بتمكينها، وصولاً إلى أنماط أكثر نفعية وتفكيكاً للمجتمعات المستهدفة، وهنا تجدر الإشارة إلى دراسة الرزاز والرحاحلة "تقهقر الليبرالية والليبرالية الجديدة" التي تناولت هذا المسار التحولي بالتفصيل، إذ وضحت كيف انحرفت بعض التطبيقات المجزوءة للمفاهيم الليبرالية عن غاياتها الأصلية، وكيف أدى هذا التراجع إلى اختلالات بنيوية أضرت بالتنمية والعدالة الاجتماعية.
فقد تأسست الليبرالية الكلاسيكية (Classical Liberalism) على مبدأ تُعلي فيه من شأن الفردية، والحرية الاقتصادية المطلقة، وآلية "اليد الخفية" لضبط الأسواق دون حاجة إلى توجيه من الحكومات.
ومع تطور الأزمات الاقتصادية وتراجع الدور الاجتماعي للدولة، ظلت الليبرالية الكلاسيكية تهاجم بشدة أي مسعى تقوده الحكومات للتدخل في إدارة الاقتصاد أو إنعاش التنمية وتطوير المجتمعات المحلية، فهي ترى أن تدخل السلطة -مهما كانت غايته- يربك آليات السوق الحرة ويحد من الإجراءات الفردية.
وعلى الضفة الأخرى برزت الليبرالية الجديدة (New Liberalism) كاستجابة واعية لعيوب السوق المفتوحة وما خلفته من فروقات طبقية، فقد هدفت إلى إيجاد معادلة دقيقة توازن بين حقوق الأفراد وحقوق المجتمع.
وقد تبنت برامج الحماية الاجتماعية وتطوير خدمات الصحة والتعليم للنهوض بالمجتمعات المحلية، وتماهت رؤاها مع ما نادت به القوى الوطنية والشعبية للخروج من حالة التردي الاقتصادي وتبعاتها التي أنهكت مختلف طبقات المجتمع وفئاته.
ورغم هذه الغايات النبيلة، واجهت الليبرالية الجديدة نقد ومقاومة القوى التقليدية التي رأت في توسيع رقعة القطاع العام عبئاً كبيراً يعيق النمو والتنمية.
وبصرف النظر عن طروحات وأدوات وأهداف كل من الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة فإنّ الحقيقة التي ينبغي عدم التعامي عنها في واقعنا المعاصر هي ظهور طيف متطرف وناعم يتجاوز النماذج النظرية المعروفة، وهو ما يُعرف بـ "النانو" ليبرالية (Nano Liberalism).
فإذا كانت الليبرالية الكلاسيكية تنادي بحرية السوق، والجديدة تنادي بالعدالة الاجتماعية، فإن "النانو ليبرالية" تمثل حالة متقدمة من التفتيت والنفعية الضيقة؛ إذ عمل هذا الطيف الدخيل على تفتيت الموارد العامة والثروات الوطنية وتفكيك الأُطر والهياكل المؤسسية إلى وحدات أصغر غير مترابطة.
كما عملت على استنزاف الموارد من خلال توجيه الاستثمارات والقروض في مسالك ومشاريع شكلية ليست ذات أثر ملموس على المجتمع وتنميته من خلال إفراغ النهوض الاقتصادي من بعده التنموي الشامل لصالح شبكات مصالح ضيقة في مختلف القطاعات.
وبحسب دراسة الرزاز والرحاحلة
يمكن تحميل هذا "الطيف الجديد" المسؤولية المباشرة عن الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتلاحقة التي شهدتها العديد من المجتمعات العربية، والتي أثارت سخط الشارع والاحتقان الشعبي بسبب تفاقم المديونية، وتراجع الإنتاجية، وتفتيت الثروات في مسارات غير تنموية، واتساع الفجوة الطبقية، وتآكل الطبقة الوسطى، وغياب شبكات الأمان المجدية، وتراجع ثقافة العمل الجمعي وتفكيك العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.
وكما أوضح الرزاز والرحاحلة، فإن التحول من مفاهيم التنمية الشاملة إلى ممارسات مجزأة ومفرغة من محتواها الاجتماعي أدّى بالضرورة إلى فشل التنمية المحلية، وعزّز حالة التردي الاقتصادي التي انعكست سلباً على معيشة المواطنين واستقرار المجتمعات.
وعليه، فإنّ الخروج من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي يتطلب مراجعة صريحة للسياسات العامة المتبعة، والتفريق الواعي بين التطبيقات التنموية التي تصون حقوق الأفراد والجماعات، وبين النماذج الهشّة التي تفتت المقدرات وتستنزفها دون بناء أثر تنموي حقيقي ومستدام حتى نستطيع العودة إلى سكة العمل الصحيح والتخطيط السليم والمراجعة المنهجية والمؤسسية المستمرة وصولاً إلى المستوى المنشود.