نهاية الشرق الأوسط الأميركي.. وبداية ماذا..؟!
- فلسطين كاختبار للنظام الجديد
ثمة مفارقة مركزية تجدر ملاحظتها في تحولات الإقليم: كانت فلسطين دائمًا هي القضية التي تُبرز التناقضات الأخلاقية والسياسية للنظام الإقليمي الذي تشكل تحت المظلة الأميركية؛ لكنها تظل مع ذلك القضية الأكثر احتمالًا للإقصاء من حسابات النظام الذي يتبلور بَعدَه. ولن يكون تراجع القدرة الأميركية على إدارة المنطقة من مركز واحد هو الذي يحدد طبيعة البديل، وقد ينتهي احتكار القوة بينما تبقى القواعد التي حكمت توزيعها بحيث تنتقل أدوار النفوذ إلى قوى متعددة، بينما تظل البنية الأمنية والسياسية التي صاغت الإقليم على حالها.
كانت فلسطين دائمًا الجزء الأبرز والأهم في تكوين هذه البنية بحكم أنها المكان الذي استولى عليه واستوطنه متطفل فيروسي شديد الفتك وهائل الأدوار: المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني. وقد ارتبط هذا المشروع منذ نشأته بإعادة تشكيل المجال العربي بالكامِل. وكان الشرط الوجودي لاستدامة الكيان هو احتكار تفوق عسكري وأمني دائم، مدعوم من قوى المركز الإمبريالي الغربي، بحيث يعيد تعريف موازين القوة وحدود الأمن في المنطقة.
لذلك، ثمة خطأ منهجي قاتل في التحدث عن بنية النظام الإقليمي من دون وضع عشرات الخطوط تحت الوظيفة التي أداها الكيان الصهيوني -ويطمح إلى تطويرها- ضمن منظومة الهيمنة الخارجية: ثمة قاعدة عسكرية هائلة متقدمة تملك تفوقًا نوعيًا، وتتمتع بحمايةٍ ودعم سياسي وعسكري واقتصادي من معظم دول الغرب، وتؤثر في كل تفصيلة من حسابات الأمن والتحالفات ومسارات الاستقرار في الإقليم، بينما تُدفع المجتمعات والدول المحيطة -والأبعد- إلى التكيف مع هذا التفوق بدلًا من محاولة معادلته أو تجاوزه.
كان مما فعلته حرب غزة والتحولات التي أعقبتها أنها سلطت ضوءًا إضافيًا على هذه العلاقة. وبرغم الأضداد، لم تعد القضية الفلسطينية قابلة للحصر في حدود غزة أو الضفة الغربية بينما يُنذر الاستيطان والضم وإعادة تشكيل الأرض والسكان فيهما بفرض آثار جيوسياسية مباشرة في المجال المحيط. وكما أشار بول سالم وشون يوم، كل من زاويته، فإن التحولات في فلسطين ترتبط مباشرة بأمن بلاد الشام العربية ومستقبلها. فمع اتساع السيطرة على الأرض في فلسطين تتعاظم مسائل الحدود واللاجئين والمياه والموارد والحركة، ويصبح ما يجري في فلسطين عاملًا في إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية لجوارها -من الأردن ولبنان وسورية إلى مصر وما بعدها. ولا يمكن التعامل مع هذه المخاوف على أنها احتمال نظري بعد توسع الكيان في أراضٍ من لبنان وسورية، وضغطه لتهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن.
لا ينفصل هذا الاتجاه عن مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي أصبح معلَنًا من خلال عرض خرائط «الخير والشر» التي يعرضها الكيان في كل منتدى وتجمُّع دولي. وعلى الرغم من الربط المتآمر على الذات بين تحقق المشروع والاستيلاء المباشر على الأراضي، فإن المشروع يمكن أن يعمل بلا احتلال: من خلال توسيع مجالات السيطرة والنفوذ، وإعادة ترتيب المجال المحيط، وربط الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والتحالفات بمنظومة تتمحور حول الكيان. بل إن هذا الشكل «اللامكاني» من الهيمنة يعفي الكيان من الكلفة العسكرية والبشرية والقانونية للاحتلال المباشر، ويكفي أن تصبح قدرة الإقليم على تحديد أمنه ومصالحه واستقلال قراره مقيدة بموازين القوة التي يفرضها المشروع الاستيطاني وشبكة الدعم الخارجية التي تحميه. وينبغي أن يضع هذا الفهم –المُعمّى عمدًا- فلسطين في مكانها الصحيح كمركز –بل المركز- لإعادة تشكيل الإقليم كله.
رغم عقمه الظاهري، أنتج المسار الفلسطيني قوة مضادة أبقت القضية مفتوحة في المجال السياسي والتاريخي. وتمكنت المقاومة الفلسطينية -على اختلاف المواقف من أساليبها واختياراتها- من إبقاء القضية حاضرة كمسألة عدالة وضمير، وأظهرت حدود قدرة القوة العسكرية وحدها على إغلاقها أو حشرها في ملف أمني قابل للإدارة الدائمة. كما أعادت أحداث السنوات الأخيرة إلى الواجهة الأسئلة الكبرى عن الاستعمار والاستيطان والاقتلاع والحقوق القانونية والتاريخية، وأحدثت تحولًا في البيئة السياسية والأخلاقية التي يدار فيها النقاش حول القضية عالميًا. وقد تمكن هذا المسار من إرباك محاولة فصل فلسطين عن تاريخ ومُجريات الصراع أو اختزالها في ترتيبات أمنية واقتصادية تتجاهل جذوره.
إذا توفرت الشجاعة للكف عن تعمية من العامل الفلسطيني (وبالتبعية الكيان الصهيوني وأدواره) لا يعود استقلال القرار الإقليمي مرتبطًا بامتلاك السلاح أو تنويع الشراكات الدولية وحده. وسوف يُربط بقدرة دول المنطقة على تحديد عوامل أمنها ومصالحها في اتجاه يعارض الترتيبات التي تجعل ديمومة الكيان الاستعماري العدواني المُهدِّد وتفوقه شروط «الاستقرار» في الإقليم. أما إذا أعيد تأسيس أمن الإقليم على اختلال دائم في القوة، فستكون إدامة تبعية دوله وإحباط طموحات شعوبه إلى الاستقلال والحرية هي المرتكز للترتيبات الأمنية التي يجري تداولها. ومن الواضح أن ثنائية «فلسطين/ كيان الاستعمار» المتعارضة هي الفيصل.
وإذن، ينطوي تعدد مراكز القوة الذي يبرز مع تراجع المركزية الأميركية على احتمالين مختلفين: ربما يعيد الإقليم توزيع النفوذ بين دوله المركزية -مع حضور متزايد للصين وروسيا وأوروبا، كما يقترح مارك لينش ومايلك يونغ- بينما تبقى قواعد الأمن الإقليمي محكومة بالترتيبات القديمة؛ أو أن التعدد سيفتح مجالًا لإعادة تعريف الأمن والمصلحة الإقليمية من داخل المنطقة نفسها. وسيتحدد الفارق بين المسارين بما إذا كانت القوى الجديدة ستتعامل مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بوصفه جزءًا من المشكلة التي أنتجت اختلالات الإقليم، أم أنها ستتعامل معه كحقيقة راسخة لا تُنازع وينبغي التكيف معها.
إستراتيجيًا، لا ينبغي السماح بقصر السؤال الذي تطرحه «نهاية الشرق الأوسط الأميركي» على مَن يمكن أن يحل محل واشنطن في إدارة الإقليم. وينبغي أن يتعلق بما إذا كانت المنطقة ستخرج من منطق الهيمنة الخارجية الذي وضع لها شروط أمنها لعقود، أم أنها ستشهد توزيعًا جديدًا للأدوار من داخل بنية الهيمنة ذاتها. ولكن، وفق أي حسابات، إذا ظل الكيان الصهيوني يؤدي وظيفته التاريخية كضامن بالقوّة الغاشمة لبقاء الهيمنة الخارجية؛ وإذا ظل أمن الإقليم يُعرّف من خلال حماية الكيان وتفوقه، والتكيف معه وتطبيعه واحتواء الشعب الفلسطيني وإدارة صراع مفتوح، فإن تعدد مراكز القوة سيكون –إذا حدث- مجرد تحوُّل في إدارة النظام، من دون تغيُّر في قواعده.