الأميركيون يسألون: هل يحكم ترامب دولة أم يدير شركة اسمها "أميركا"؟
8.9 مليارات دولار. هذا ما دفعته الحكومة الأميركية في أغسطس/ آب 2025 مقابل نحو 10% من أسهم شركة إنتل (Intel)، عملاق الرقائق الأميركي. لم تكن أموالًا جديدة. كانت منحًا مقررة أصلًا للشركة بموجب "قانون الرقائق" (CHIPS Act)، وقتها قررت إدارة ترامب أن تحوّلها إلى أسهم بدل أن تمنحها مجانًا. كتب ترامب يومها على منصته أنه لم يدفع شيئًا مقابل الحصة. وبعد أشهر قليلة، تضاعفت قيمتها أربع مرات، لتقترب من 36 مليار دولار، بحسب وكالة بلومبيرغ (Bloomberg).
المشهد كله لا يشبه ما اعتاده العالم من واشنطن. رئيس يفاوض شركة بنفسه، ويطلب حصة من رأس مالها، ثم يتباهى بالعائد كأنه مدير صندوق استثماري. من هنا وُلد سؤال يتردد في الصحافة الأميركية منذ بداية الولاية الثانية: هل يحكم ترامب دولة، أم يدير شركة اسمها "أميركا"؟ الإجابات لم تأتِ في اتجاه واحد. بل توزعت على ثلاث قراءات رئيسية، لكل منها منطقها وشهودها. هذا المقال، وهو الأول في سلسلة عن ترامب ونهجه الاقتصادي، لا يقدّم حكمًا بعد. إنه محاولة لرسم خريطة: كيف تقرأ أميركا رئيسها؟
القراءة الأولى: المدير العام لشركة أميركا
أوضح من عبّر عن هذه القراءة مجلة "فورتشن" (Fortune)، إحدى أعرق مجلات المال والأعمال في أميركا. في عدد فبراير/ شباط - مارس/ آذار 2026، وضعت على غلافها سؤالًا مباشرًا: هل ترامب رئيس، أم مدير عام لشركة اسمها "الولايات المتحدة"؟ وطرحت المجلة الفكرة بمنطق إدارة الشركات المتعثرة: لو كانت أميركا شركة تحتاج إلى إعادة هيكلة مالية، فماذا سيفعل مدير محترف في هذا النوع من المهام؟ الإجابة، كما رصدتها المجلة، تظهر في أدوات ترامب نفسها. الرسوم الجمركية صارت مصدر إيراد. والحصص في الشركات حلّت محل الدعم. والقرار يتحرك بسرعة، حتى لو اصطدم بحدود القانون.
أنصار هذه القراءة يذكّرون بأن هذا تحديدًا ما وعد به ترامب ناخبيه. فجزء من جاذبيته أنه رجل أعمال، وكثيرون صوّتوا له على أمل أن يدير الحكومة بعقلية التاجر. وترامب لا يخفي أسلوبه. فقد كتب في كتابه "أميركا العرجاء" (Crippled America) عام 2015 أنه يحب أن يكون غير متوقع، لأن ذلك يُبقي الطرف الآخر في حالة ارتباك دائم. أوضح نموذج على ذلك صفقة الرقائق مع الصين.
في أغسطس/ آب 2025، سمحت الإدارة لشركتي إنفيديا (Nvidia) وإيه إم دي (AMD) ببيع رقائق ذكاء اصطناعي للصين، بشرط أن تدفعا للحكومة 15% من إيرادات تلك المبيعات. ترامب روى القصة بنفسه: طلب في البداية 20%، ففاوضه رئيس إنفيديا جنسن هوانغ حتى نزل إلى 15%. ووصف ما جرى بأنه "صفقة صغيرة". لم يكن هذا قرار تصدير تقليديًا تحكمه اعتبارات الأمن القومي وحدها. كان تفاوضًا على السعر. والشركات الكبرى فهمت قواعد اللعبة سريعًا. رصدت بلومبيرغ كيف صار رؤساء الشركات يعلنون قراراتهم الكبرى في البرامج التي يتابعها الرئيس، ويقدّمونها بلغة تتوافق مع شعاراته.
ونقلت "فورتشن" عن رئيس إحدى كبرى الشركات قوله إنه يشعر بأن الرئيس يريد للشركات أن تربح. لكن حتى داخل هذا المعسكر، ثمة تحفظ واضح. فأحد المستشارين ينصح رؤساء الشركات بالتعامل مع ترامب كأنه "فيلم صامت": تجاهل الكلام، وراقب الأفعال. وتعترف المجلة نفسها بأن تجربة "الرئيس المدير العام" ما زالت مفتوحة النتائج.