حين تصبح الكلمة سلاحًا.. الاعتدال خط الدفاع الأول عن الوطن.
الاعتدال في القول، والاتزان في الطرح، لم يعودا مجرد فضيلة أخلاقية أو سلوكًا شخصيًا محمودًا، بل أصبحا مسؤولية وطنية تفرضها طبيعة المرحلة التي نعيشها.
ففي زمن الفضاء المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الكلمة رأيًا عابرًا ، فقد تتحول خلال دقائق إلى موجة من الغضب أو الشائعة أو الانقسام ، والكلمة حين تخرج بلا مسؤولية، قد تكون أحيانًا أقوى من السلاح في قدرتها على البناء أو الهدم.
والأخطر اليوم هو اتساع مساحة الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني، مع ما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من قدرة على إنتاج المحتوى وتكراره وتضخيمه، بما قد يُستخدم لإرباك الرأي العام، وتشويه الحقائق، وإشغال الناس بصراعات جانبية، وزرع الشك والانقسام داخل المجتمع.
وهذه المحاولات لا تُواجه بالانفعال ولا بالانجرار إلى المعارك التي تُرسم لنا، وإنما بالوعي وهدوء الموقف وحسن تقدير الأمور ، فليس كل ما يثير الغضب يستحق الرد، وليس كل ما ينتشر يستحق التصديق.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الفرد في التعامل مع ما يصله من أخبار ومقاطع ومنشورات ، قبل أن نضغط زر «نشر»، علينا أن نسأل: ما المصدر؟ وهل المعلومة صحيحة؟ وهل الصورة أو الفيديو في سياقهما الصحيح؟
فدقيقة واحدة من التريث قد تمنع انتشار شائعة، أو تحمي سمعة إنسان، أو تحول دون إشعال خلاف لا مبرر له ، ولا ينبغي أن يكون معيارنا في مشاركة أي محتوى أنه يوافق موقفنا أو أن الآخرين يتداولونه بكثرة ، فكثرة التداول ليست دليلًا على الحقيقة.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى الاتزان لا تعني الصمت أو تعطيل النقد ، فالاختلاف حق، والنقد البنّاء ضرورة، والمجتمع الصحي هو الذي يستطيع أفراده أن يختلفوا في الرأي دون أن يتحول اختلافهم إلى خصومة أو تخوين أو إساءة.
الأردن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يختلف دون أن يخاصم، وينتقد دون أن يهدم، ويعبّر عن القلق دون أن يزرع الخوف، ويضع المصلحة الوطنية فوق رغبة الانتصار في سجال عابر.
فلنحافظ على حقنا في الاختلاف، لكن لنجعل كلماتنا جزءًا من الحل لا وقودًا للخلاف ، فالأردن أكبر من منشور، وأبقى من تعليق، وأغلى من أن نسمح لمن يتربص باستقراره أن يستثمر في انفعالاتنا.