حياة امرأة
لطالما كانت الشيخوخة موضوعاً مفضلاً للروايات والأفلام. هي تلك المرحلة من العمر التي تتراجع فيها قدرات الجسد وتزداد الهواجس. لكن هذا الفيلم الفرنسي الجديد «حياة امرأة» لا يقتصر على هموم التقدم في السن، بل يتناول طيفاً واسعاً من مشكلات الفرد المعاصر. بالأحرى المرأة المعاصرة. مثل الوظيفة التي تلتهم الحياة. ضيق الوقت. ثقل الشعور بالمسؤولية. تأجيل الإنجاب. رعاية والدة مريضة. فقدان شغف العلاقة العاطفية... كل هذا يقع مرة واحدة على رأس «غابرييل»، بطلة الفيلم.
و«غابرييل» بطلة بمعنى الكلمة. طبيبة جرّاحة في أحد مستشفيات باريس. رئيسة قسم تقويم الوجوه المشوّهة والمهشّمة. تقدّس عملها وتضعه في رأس انشغالاتها. تقود فريقاً من الأطباء والممرضات والمتدربين المتعلقين بكلمة من فمها. تتابع عشر مهمات في الساعة. لا يتوقّف هاتفها عن الرنين. وحتى عندما ترتدي الصدرية الخضراء وتغسل يديها استعداداً لدخول صالة العمليات، فإن مساعدتها تمسك لها الهاتف لصق أذنها.
للوهلة الأولى لا تبدو «غابرييل» متذمّرة أو حزينة محتاجة للحب. هناك نظرات التقدير في أعين العاملين معها. وهناك شريك حياتها المغرم بها. لكنها، رغم تعلقها به، ضحّت بالأمومة في سبيل مهنتها. تعمل في المستشفى وفي البيت، وفوق هذا تعتني بوالدتها المصابة بالألزهايمر. عاشت حياتها تظن نفسها امرأة خارقة حتى تلك اللحظة الفاصلة التي اكتشفت فيها أنها مثل ثور الناعور؛ تدور وتدور مغمضة العينين.
يأتي هذا الوعي حين تلتحق بالمستشفى روائية شابة تنوي الكتابة عن ضحايا الحوادث والمصابين بتشوهات في الوجه. وبكثير من الشفافية، تراقب الكاتبة يوميات الطبيبة. تحاول أن تلفت نظرها إلى أن في الحياة لذائذ كثيرة خارج غرف العمليات. تدعوها لمشاهدة عرض راقص. الجلوس لنصف ساعة مسترخية على مقعد في الشمس. قضاء يومين على ضفاف بحيرة جبلية. التمتع بلمسة يد صديقة. أمور تمنح الحياة مذاقها.
تقف «غابرييل» في واحد من المؤتمرات العالمية لتلقي محاضرة عن فلسفة عملها. هي لا تستطيع أن تعيد للمريض وجهه الذي تهشّم في حادث سير. لكنها تجتهد لترمم الآثار ليكون مقبولاً اجتماعياً. ينزل إلى الشارع ويسير وسط الناس دون أن ينفروا من تشوهاته. ستصنع له أنفاً وجبهة وخدّين، لكنها لن تعيده كما كان. سيكون عليها تهيئته ليكون شخصاً جديداً.
وهناك لحظات أكثر ثقلاً. حين يكون عليها أن تشرح لرجل متقدم في السن أن الحبّة الظاهرة على لسانه هي ورم سرطاني. لا بد من استئصاله وردم الفجوة بقطعة من لحم الكتف، وإلا فإن لسانه سيتعفن ولن يحتمل أهله الرائحة. كيف تقنعه بتقبل العملية وما يتبعها من آلام حين لم يبقَ في العمر ما يستحق؟
متوتّر وصادم هذا الفيلم الذي أخرجته شارلين بورجوا، وأدت الدور الرئيسي فيه ليا دروكير. وكما هو متوقع، فإن لحظة الانهيار تلوح في الأفق. هل تخرج الطبيبة منها من دون تشوّهات في الروح لا في الوجه؟