في مواجهة رباعية الأزمة سيادة القانون وتكافؤ الفرص طريق لصون المجتمع

بقلم الدكتور عصام الكساسبه
لا يمكن تفكيك معادلة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المركبة المتمثلة في اتساع رقعة الفقر وتنامي معدلات البطالة وتراجع مستويات المعيشة بمعزل عن بنيتها المؤسسية ومنظومة الإدارة العامة فالأمم والمجتمعات لا تواجه مخاطر التراجع والتفكك بفعل شح الموارد الطبيعية فحسب بل تستنزف طاقاتها الحية حين تلتقي وطأة الحاجة مع غياب العدالة وتكافؤ الفرص وحين يجد الفساد بيئة تمكنه من تبديد المقدرات وتعطيل قوى الإنتاج. إن هذا الترابط العضوي بين تردي الواقع المعيشي واعتلال الأداء الإداري يفرض النظر إلى معالجة هذه التحديات بوصفها استحقاقا قانونيا وسياسيا ملحا يتصل مباشرة بحماية السلم الأهلي واستقرار الوطن. تتأسس الدولة الحديثة في فقه القانون الإداري والدستوري على حقيقة جوهرية مفادها أن سلطة الإدارة ليست امتيازا تحكميا يمنح للقائمين عليها بل هي وظيفة تنظيمية مجردة وغايتها الحصرية خدمة الصالح العام وصيانة مقدرات الشعب. 
ومن هذا المنطلق فإن أخطر ارتدادات الفساد الإداري لا تقف عند استنزاف المال العام أو إهدار الموازنات بل تمتد لتضرب عمق العدالة الاجتماعية عبر تقويض مبدأ الجدارة والاستحقاق في إشغال الوظيفة العامة فحين تتقدم المحسوبية على حساب الكفاءة ويغيب المعيار الموضوعي في التعيينات وإسناد المسؤوليات يتحول الإحباط إلى شعور عام بالاغتراب وتتحول البطالة من مجرد عجز اقتصادي في سوق العمل إلى أزمة ثقة عميقة تعطل طاقات الشباب وتدفع بالمجتمع نحو مزيد من الفقر والعوز.
 إن كسر هذه الحلقة المغلقة لا يتأتى عبر الحلول التسكينية أو برامج الرعاية المؤقتة التي تلامس السطح دون النفاذ إلى الجذور بل يستوجب انتقالا حقيقيا نحو ترسيخ قواعد الحوكمة الرشيدة والمشروعية الإدارية ويبدأ ذلك بإلزام الجهاز التنفيذي بمبدأ علانية التنافس وشفافية المعايير وتكريس إلزامية تسبيب القرارات الإدارية لقطع الطريق على أي انحراف بالسلطة أو استغلال للنفوذ.
 كما تتطلب العدالة الاقتصادية تحصين بيئة الاستثمار من البيروقراطية المعطلة والممارسات غير الشفافة إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن يجذب رؤوس الأموال المنتجة أو يخلق فرص عمل مستدامة في غياب بيئة قانونية عادلة تضمن المنافسة وتحمي الحقوق وتخضع فيها القرارات لميزان الرقابة والمحاسبة. إن حماية المجتمع من تبعات الفقر والبطالة والجوع ليست منة ولا ترفا فكريا بل هي واجب وطني واستحقاق دستوري يقوم على إعلاء سيادة القانون وصون كرامة المواطن فحين تكون الكفاءة هي السبيل الوحيد إلى الاستحقاق وحين تدار الموارد العامة بنزاهة وتجرد تحت مظلة رقابة مؤسسية وقضائية فاعلة تستعاد الثقة العامة وتصان مقدرات الدولة وتتحول العدالة من مجرد شعار إلى واقع ملموس يحمي النسيج الاجتماعي ويدفع بمسيرة البناء والتنمية إلى الأمام.