المدينة المنورة ليست ساحة حرب
هناك حدود إذا سقطت، سقط معها شيء من أخلاق الإنسان قبل أن تسقط السياسة والمدينة المنورة واحدة من تلك الحدود، أن تصل طائرة مسيّرة إلى منشأة كهرباء في المدينة المنورة وأن تعلن السلطات السعودية أن التحقيق في حطامها أثبت مسؤولية الحوثيين عنها فهذه ليست حادثة عسكرية عادية يمكن اختصارها بعبارة "هجوم وردّ" نحن أمام فعل، إذا ثبتت نسبته كما أعلنت السعودية، لا يمكن قبوله أو تبريره سياسيًا أو دينيًا أو أخلاقيًا، فالمدينة التي تحتضن المسجد النبوي ليست ورقة في مفاوضات الحرب ولا ميدانًا لاستعراض مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة.
المشكلة في الخطاب الحوثي ليست في امتلاك السلاح وحده، بل في الفكرة التي تسمح للسلاح بأن يتجاوز كل الخطوط، عندما تصبح منشأة مدنية هدفًا وعندما تمتد دائرة القتال إلى مدينة لها مكانتها الخاصة في وجدان المسلمين فإن السؤال لا يعود، من يملك الصاروخ الأطول ؟ بل. من فقد القدرة على التمييز بين القوة والتهور ؟ لا توجد قضية، مهما رفع أصحابها من شعارات تمنح أحدًا حق تعريض المدنيين أو المنشآت المدنية للخطر ولا يصبح العمل مشروعًا لمجرد أن منفذه يصف نفسه بالمقاوم، فالشرعية الأخلاقية لا تُقاس بما يقوله حامل السلاح عن نفسه، بل بما يفعله عندما يستطيع أن يؤذي الآخرين.
إن كان الحوثيون هم من نفذوا هذا الهجوم، كما تقول نتائج التحقيق السعودية، فإن ما حدث في المدينة المنورة يجب أن يقال عنه بوضوح، هذا غير مقبول، غير مقبول أن تتحول المقدسات إلى جوارٍ للنيران، وغير مقبول أن تصبح المدن المدنية صناديق بريد ترسل عبرها الرسائل العسكرية، وغير مقبول أن يتحدث طرف باسم الدين ثم يقبل بأن يصل سلاحه إلى مدينة رسول الله ﷺ.
فالمدينة المنورة أكبر من صراعات اليوم وأقدم من الجماعات والأحزاب والتحالفات وستبقى بعد أن تنتهي كلها، والحوثيون إن ثبتت مسؤوليتهم لن يستطيعوا الاحتماء خلف الشعارات لأن التاريخ لا يسأل كثيرًا عن الكلمات التي قيلت قبل إطلاق الصاروخ بل يتذكر إلى أين أُطلق، من أراد احترام المقدسات فليُبعد عنها سلاحه ومن لم يعرف أين يجب أن يتوقف، فقد أثبت أن مشكلته ليست في قوة عدوه، بل في غياب الحدّ الأخلاقي لقوته.
كابتن أسامه شقمان
.