هل أخطأ 24 ألف طالب؟ أم أخطأنا في إرشادهم؟
أن يقال لأكثر من 24 ألف طالب وطالبة اجتازوا امتحان الثانوية العامة إنهم لم يحصلوا على مقاعد جامعية بسبب «سوء الاختيار»، فهذا تفسير يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد التصريح به؛ يحتاج إلى مراجعة دقيقة للسؤال الأهم: هل كان هؤلاء الطلبة يمتلكون فعلًا كل المعلومات التي تمكنهم من الاختيار الصحيح؟
فالرقم ليس بسيطًا، ولا يتعلق بحالات فردية يمكن تجاوزها باعتبارها أخطاء شخصية. نحن أمام آلاف الطلبة الذين حصلوا على معدلات تتجاوز الحدود الدنيا للقبول، ومع ذلك وجدوا أنفسهم خارج المقاعد الجامعية التي كانوا يأملون الالتحاق بها، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية.
وإذا كانت نسبة هؤلاء تقترب من 30 % من الطلبة الناجحين، فإن القضية تتجاوز مفهوم «سوء الاختيار» الفردي، وتفرض علينا التوقف أمام منظومة الاختيار نفسها: كيف أُعطيت المعلومات للطلبة؟ ومتى وصلت إليهم؟ وهل كانت الحقول والتخصصات واضحة بما يكفي؟ وهل حصل الطلبة على الإرشاد الذي يساعدهم على اتخاذ قرار يتعلق بمستقبلهم؟
لا شك أن اختيار التخصص الجامعي مسؤولية مهمة تقع على الطالب وأسرته، لكن هذه المسؤولية لا تعني أن يترك الطالب وحده أمام منظومة معقدة ومتغيرة، ثم نحاسبه بعد ظهور النتائج على اختياراته.
فالطالب الذي يختار تخصصه يحتاج إلى معرفة واضحة بما يسمح له معدله وحقل الثانوية الذي ينتمي إليه بدراسته، وما التخصصات التي يستطيع المنافسة عليها، وما البدائل المتاحة أمامه.
وهنا تحديدًا تظهر الإشكالية المتعلقة بنظام الحقول والتخصصات الجامعية.
فقد وجد كثير من الطلبة وأسرهم أنفسهم أمام نظام جديد لم تكن تفاصيله واضحة بالقدر الكافي، خصوصًا في ما يتعلق بالتخصصات التي تندرج تحت كل حقل، وما يترتب على اختيار حقل معين من فرص جامعية مستقبلية.
والأخطر أن بعض التوضيحات جاءت متأخرة، بعد أن أصبح الطلبة أمام الأمر الواقع، وبعد أن اتخذوا قراراتهم استنادًا إلى فهم سابق لم يكن مكتملًا لدى الجميع.
السؤال هنا ليس اعتراضًا على التطوير، ولا رفضًا لفكرة إعادة تنظيم الحقول والتخصصات، وإنما يتعلق بالتوقيت والوضوح.
لماذا لا يعرف الطالب منذ البداية وبصورة تفصيلية التخصصات التي يمكنه الالتحاق بها وفق الحقل الذي اختاره؟.
ولماذا لا تكون هذه المعلومات متاحة بطريقة مبسطة وواضحة للطلبة وأولياء أمورهم قبل اتخاذ القرار، وليس بعده؟
فالقرار الذي يحدد مستقبل طالب جامعي لا يجوز أن يعتمد على الاجتهاد أو التفسير الشخصي أو المعلومات المتداولة بين الطلبة والأسر.
كل معلومة تتعلق بمستقبل الطالب يجب أن تكون رسمية، واضحة، مبكرة، ومتاحة للجميع بالقدر نفسه.
المشكلة لا تبدأ من موسم القبول الحالي، وإنما هي امتداد لحالة من التغيير المستمر التي شهدها نظام الثانوية العامة خلال السنوات الأخيرة.
مواد تتغير، وآليات تتبدل، وحقول جديدة تظهر، وتخصصات يعاد تصنيفها، وأنظمة يجري تعديلها بصورة متلاحقة.
والتطوير في حد ذاته أمر مطلوب، ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن يبقى جامدًا إلى الأبد. لكن التطوير شيء، والتغيير المستمر الذي يجعل الطالب والأسرة في حالة ترقب دائم شيء آخر.
فالطالب يريد أن يعرف: ما النظام الذي سأدرسه؟ وما الذي سيترتب عليه؟ وما الخيارات التي ستكون متاحة أمامي بعد التخرج؟
والأسرة تريد أن تعرف الأمر نفسه؛ لأنها تخطط سنوات من حياة أبنائها على أساس هذه القرارات.
أما أن تتغير القواعد باستمرار، ثم يُطلب من الطالب أن يتعامل معها وكأنه يمتلك خريطة كاملة لطريق لم يستقر بعد، فهذا يضع عبئًا كبيرًا عليه وعلى أسرته.
الثقة أهم من كثرة التعديلات
لقد كان نظام الثانوية العامة، رغم الانتقادات التي وجهت إليه في مراحل مختلفة، يتمتع بدرجة من الاستقرار جعلت الأسر والطلبة يعرفون إلى حد كبير طبيعة الطريق الذي يسيرون فيه.
أما التعديلات المتتالية، إذا لم تكن مصحوبة بشرح كافٍ ومرحلة انتقالية واضحة وتقييم مستمر لنتائجها، فإنها قد تؤدي إلى حالة من الإرباك، وتضعف الثقة بالنظام بدل أن تعززها.
والثقة في أي نظام تعليمي لا تُبنى بكثرة القرارات، وإنما بوضوحها واستقرارها وقدرة المجتمع على فهمها والتعامل معها.
اليوم، وبعد ظهور نتائج القبول، ليس المطلوب البحث عن طرف لتحميله المسؤولية، وإنما البحث عن إجابة حقيقية لما حدث.
إذا أخطأ طالب أو مجموعة من الطلبة في اختيار تخصصاتهم، فهذا أمر يمكن فهمه ومعالجته بالإرشاد والتوعية.
لكن عندما نتحدث عن أكثر من 24 ألف طالب، فإن حجم الظاهرة يستحق أن يدفعنا إلى مراجعة أوسع من مجرد القول إنهم «أساءوا الاختيار».
علينا أن نسأل: هل كانت الخيارات واضحة؟ هل كانت المعلومات متاحة في الوقت المناسب؟ هل كان الإرشاد الأكاديمي كافيًا؟ وهل كانت التعديلات التي طرأت على نظام الحقول والتخصصات مفهومة للطلبة وأسرهم؟
هذه الأسئلة ليست بحثًا عن شماعة، وإنما محاولة لحماية أجيال قادمة من تكرار المشكلة.
مستقبل أبنائنا ليس حقلًا للتجربة .
التعليم يحتاج إلى التطوير، نعم، لكن التطوير الحقيقي لا يعني أن يصبح الطالب هو من يدفع ثمن التجربة.
نحن نتحدث عن شباب أمضوا سنوات من الدراسة، وبذلوا جهدًا كبيرًا للوصول إلى الثانوية العامة، ثم وجد بعضهم نفسه أمام خيارات جامعية محدودة أو تخصصات لا يرغب فيها، رغم حصوله على معدل يؤهله من حيث الحد الأدنى للقبول.
لذلك، فإن معالجة ما حدث يجب ألا تتوقف عند موسم القبول الحالي، بل ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة منظومة الحقول والتخصصات وآليات الإرشاد والقبول، والاستماع إلى الطلبة والأسر والجامعات، ومعرفة مكامن الخلل بشفافية.
فالطالب مسؤول عن اختياره، نعم، لكن المؤسسات المسؤولة عن النظام مسؤولة أيضًا عن وضوح الخيارات، ودقة المعلومات، وتوقيت تقديمها، وإرشاد الطالب إليها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة:
هل أخطأ أكثر من 24 ألف طالب في الاختيار؟ أم أن علينا أن نسأل أولًا: هل أعطيناهم المعلومات الكافية التي تجعل اختيارهم صحيحًا؟
فمستقبل أبنائنا أكبر من أن يُختصر في عبارة «سوء اختيار»، وأهم من أن يكون نتيجة لنظام لم تتضح قواعده للطالب إلا بعد أن انتهى وقت الاختيار.