من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
لا شك أنك قد مررتَ بنص أدبي أذهلك، أو توقفتَ عند اقتباسٍ ما واحتفظت به عندك، فالأدب واحداً من أكثر الفنون الإبداعية سموّاً وأثراً، فهو يحاكي العمق الإنساني وصراعاته الأزلية ويعبّر عنه بأبلغ الطرق وأدق الوصف.
ولكن هل لا يزال الأدب حافظاً لمكانه؟ أم أنه تشوّه وتعرّض للتحريف منذ اخترق الذكاء الاصطناعي مساحته وفرض نفسه عليه؟
اليوم، لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية ثانوية في حياتنا، فقد دخل إلى الطب والتعليم والتسويق والتصميم والبرمجة، ووصل أخيراً إلى الفن والإبداع والابتكار، الذي كان الأدب والكتابة الإبداعية واحداً منها.
فهو قادر اليوم على إنتاج نصوصاً تحمل إيقاعاً أدبياً، واستخدام الصور التشبيهية والاستعارات، وبناء الشخصيات، وتركيب القصص وصناعة الحبكة وخلق الهدف والرسالة، فهل يكون ذلك كافياً لصناعة كتاب أو رواية متكاملة؟
يدعنا ذلك لطرح سؤالٍ أوّلي: لماذا يكتب الإنسان؟ الكاتب ينقل عادةً شعوراً مرّ به، قد يكون شيء فقده، أو خاف منه، أو لم يستطع مواجهته فلجأ إلى كتابته، ففي المحصلة، الكتابة هي تجربة عاشها الكاتب، ولذلك صُنّف الأدب بأنه تجربة أعمق من مجرد صناعة نص جميل أو كتابة قصة خيالية.
حتى جاء الذكاء الاصطناعي واستطاع أن يغيّر المشهد الأدبي، لا ضيم في فكرة أن هناك كتّاب يستخدمونه في البحث، والعصف الذهني، والتدقيق اللغوي والإملائي، والمراجعة، وإعادة الصياغة، ولكن هناك من ذهب لأبعد من ذلك، فترك له مساحة أوسع لعملية الكتابة، حتى أصبح الكاتب في بعض الأعمال مجرد ناقلاً للنص من الذكاء الاصطناعي إلى الورق المطبوع باسمه.
ومع اتساع هذه الممارسة، اتسعت معها أبواب النشر. فأصبح بالإمكان إنتاج عدد هائل من النصوص في وقت قصير، وبدأت تظهر أعمال تعتمد بدرجات مختلفة على الذكاء الاصطناعي، ومنها أعمال قُدّمت للقارئ بدا لاحقاً أنها لم تخضع لأي تدخل بشري، وهنا تظهر الكارثة الحقيقية.
فحين يقرأ القارئ كتاباً معتقداً أنه أمام تجربة إنسانية كاملة، بينما النص في جوهره مولّد بشكل آلي، فإن المسألة تصبح متعلقة بالأمانة الأدبية وحق القارئ في معرفة حقيقة العمل الذي بين يديه.
والأخطر من ذلك أن كثرة الإنتاج الآلي جعل الكتاب أشبه بسوق ممتلئ بالبضائع المزيفة، تضيع بينها الأعمال القيّمة الحقيقية التي احتاجت لسنوات من التجربة والخبرة والكتابة.
وهنا تقع المسؤولية الأولى على دور النشر، التي يجب ألّا تكتفي بأن يكون العمل منسّقاً، ولغته سليمة، ويحمل عنواناً جذاباً، وقصة جميلة، وأن تقوم بمراجعة العمل بصورة أعمق، وأن يتم التأكد من أصالته، وطريقة إنتاجه، وأن يكون واضحاً حجم استخدام الأدوات الاصطناعية في كتابته، فيصبح الناشر أبعد من مجرد بوابة لطباعة ونشر العمل، ويكون واحداً من حرّاس المشهد الأدبي.
ولا يفوتنا أن نذكر، أن فكرة التحقق من أن العمل بشري "مئة بالمئة" ليست حلاً سحرياً، لأن أدوات الكشف نفسها قد لا تكون دقيقة للغاية، فالآلة أداة، والأدوات لا تقتل الإبداع، الذي يغيّر معنى الإبداع هو كيف نستخدمها، دون أن نستغني عن الجهد البشري والإبداع العقلي في صناعة الأدب.
ربما يأتي زمن يصبح فيه الكتاب الذي كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي أمراً عادياً، كما أصبح استخدام الحاسوب بدل القلم أمراً عادياً كذلك، ولهذا، في زمن تستطيع فيه الآلة أن تكتب كل شيء تقريباً، ستبقى قيمة الكاتب دوماً في حقيقة ما يكتب وأثر ما يقول وصدق ما يدوّن.
ولعل النصيحة الأهم التي أقدمها للكاتب اليوم: ألا يخاف من تلك التقنية الذكية، بل أن يحذر من أن يصبح مثلها، فيكتب بلا تجربة، ويكرر بلا وعي، وينتج بلا أثر.