( الضمان والناس )


خمسة أسس منهجية للمراجعة؛
معدِّل "الضمان": نحو سحب للمشروع ومراجعته اكتوارياً واجتماعياً
​مع اقتراب انعقاد الدورة العادية الجديدة لمجلس الأمة، بدأ الحديث عن مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي يعود من جديد ويتصدر واجهات مواقع التواصل الاجتماعي، وحديث السلطة التشريعية مشكّلاً أحد أكبر الاختبارات أمامها.
وإذا كان الجميع يتفق على أهمية الحفاظ على الاستدامة المالية والتوازن الاكتواري لمؤسسة الضمان الاجتماعي، فإن المقاربة المطروحة في مسودة المشروع المعدّل تشكّل في معظمها معالجة أحادية الجانب، تعتمد بصورة أساسية عى تشديد شروط الاستحقاق ورفع سن التقاعد وزيادة مدد الاشتراك، وتقليص بعض المنافع التأمينية دون معالجة حقيقية للمسبّبات الجوهرية للتحديات التأمينية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية التي تواجه النظام التأميني وتهدّد استدامته.
من هنا أقول بأن حماية الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان لا ينبغي أن تتم عبر أي إخلال بالأمان الاجتماعي للمؤمن عليهم، أو تحميل الطبقات العاملة والمتقاعدين الأعباء الأكبر، بل عبر صياغة تشريعية عادلة ومتوازنة تراعي البعدين الاكتواري والاجتماعي جنباً إلى جنب.
​من هذا المنطلق، أرى أن الخيار الوطني الناجز والأكثر حصافة يتطلب سحب مشروع "معدّل الضمان" من مجلس النواب، وإعادة إخضاعه لدراسة ومراجعة عميقة وشاملة وفق أسس منهجية وتشاركية، وذلك عبر الخطوات التالية:
​أولاً: تشكيل لجنة مستقلة من الثقاة والخبراء:
​تشكيل لجنة موثوقة تضم نخبة من الخبراء والمتخصصين في الشؤون التأمينية والإكتوارية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية من داخل مؤسسة الضمان الاجتماعي وخارجها، تمثل أطراف الإنتاج الثلاثة (عمال، أصحاب عمل، حكومة) وخبراء مستقلين، لضمان أعلى درجات النزاهة والموضوعية.
​ثانياً: مراجعة الدراسة الاكتوارية ومُدخلاتها:
​إعادة فحص ومراجعة الدراسة الاكتوارية الأخيرة التي بُنيت عليها التعديلات المقترحة، والتحقق من الفرضيات والبيانات المدخلة فيها، والتأكد من مدى دقتها وملاءمتها للواقع الاقتصادي والديموغرافي الأردني، مع إتاحة نتائجها ومُخرجاتها للرأي العام والمختصين بشفافية كاملة.
​ثالثاً: مراجعة قانون الضمان الاجتماعي النافذ حالياً:
​إجراء تقييم شامل وموضوعي لأحكام القانون النافذ تحديداً من ألفه إلى يائه، لتحديد النقاط التي تشوبها الاختلالات التشريعية أو التطبيقية فعلياً، وحصر المواد التي تحتاج إلى تعديل جوهري للحد من التهرب التأميني، وتوسيع مظلة الشمول، ومعالجة فجوات شمول العمالة غير المنظمة، وتحسين آليات الاستثمار والتحصيل وقواعد حوكمة المؤسسة واستقلاليتها.
​رابعاً: إطلاق حوار وطني هادئ وناضج في الوقت المناسب:
​إطلاق حوار مجتمعي ونقابي وفنّي هادئ وناضج وشامل، يشارك فيه كافة أصحاب المصلحة، على أن تُمُنَح اللجنة وشركاؤها مدة ستة أشهر كحد أقصى لإنجاز عملية المراجعة الشاملة والدراسات اللازمة وإعداد مسودة قانون جديدة بصياغة توافقية متكاملة محددة الأسباب والموجبات التشريعية.
​خامساً: التوازن بين المقتضيات الاكتوارية والاجتماعية والتأطير الزمني:
​الوصول إلى صيغة تشريعية عادلة ومتوازنة تضمن استدامة المؤسسة مالياً على المدى البعيد، دون المساس بالحقوق المكتسبة للمؤمن عليهم أو إرهاقهم بشروط مشددة تحرمهم من الحماية الاجتماعية والأمان المالي، على أن يتم الدفع بمسودة القانون الجديدة والمعدلة إلى مجلس الأمة خلال الربع الثاني من العام القادم على الأبعد.
أخيراً؛ لا بد من التأكيد بأن ملف الضمان ليس مجرد معادلات أرقام أو نصوص قانونية جامدة عابرة، بل هو شريان الحماية الاجتماعية في مجتمعنا وللأجيال الحاضرة والقادمة على حد سواء. وإن السير في اتجاه مراجعة القانون مراجعة متأنية قائمة على الشفافية والحوار الشفاف الناضج والمحدد بجدول زمني واضح هو الطريق الأضمن للوصول إلى قانون عصري، يستجيب لمتطلبات الاستدامة ويصون العدالة والأمان الاجتماعي للمنتفعين والمشتركين ويلقى قبولاً وامتثالاً من الغالبية العظمى من أبناء المجتمع.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).