27 سبتمبر.. يوم إحياء الذكرى "الحرب الوطنية" ومرحلة جديدة في تاريخ أذربيجان

بقلم / سعادة السفير شاهين عبداللاييف سفير جمهورية أذربيجان لدى المملكة الأردنية الهاشمية

يُمثل يوم 27 سبتمبر 2020 انطلاق "حرب الوطن" في أذربيجان، وهي المعركة التي استمرت لمدة 44 يوماً (حتى 10 نوفمبر 2020) وأطلقتها القوات المسلحة الأذربيجانية كعملية مضادة رداً على الاستفزازات العسكرية الأرمينية. هدفت هذه الخطوة المقدامة إلى كبح العدوان وحماية المدنيين وأسفرت عن إنهاء عقود طويلة من الاحتلال، واستعادة وحدة وسيادة أراضي البلاد ، وتمكين نحو مليون أذربيجاني من استعادة حقوقهم الأساسية.

وعلى الرغم من عظمة هذا النصر التاريخي الذي توج بسلام وطني، إلا أنه ترك خلفه إرثاً مؤلماً من الخسائر البشرية الفادحة، حيث قدمت أذربيجان نحو 2908 شهيداً من أبطال القوات المسلحة، فضلاً عن إصابة عدد كبير من العسكريين والمدنيين، وتعرض العديد من المناطق السكنية للقصف الذي خلّف ضحايا مدنيين، لتظل هذه التضحيات جرحاً عميقاً وذكرى خالدة في الوجدان الوطني الأذربيجاني.

وبموجب مرسوم رئاسي صادر عن الرئيس الهام علييف رئيس جمهورية أذربيجان فقد بات يوم 27 سبتمبر يوماً وطنياً لإحياء الذكرى في أذربيجان تُستذكر فيه بإجلال واعتزاز تضحيات شهداء الوطن الذين بذلوا أرواحهم فداءً له. وقد رسّخ هذا التاريخ مكانته في الذاكرة الوطنية كرمزٍ لصلابة الشعب ونضاله، وتجسيداً للإرادة السياسية والعسكرية القوية للدولة.

لم تكن حرب الوطن مجرد مواجهة عسكرية ميدانية فحسب، بل تجسيداً حياً للوحدة الوطنية، والإرادة الشعبية، والالتزام الصارم بمبادئ القانون الدولي. فقد نجحت المعارك التي استمرت 44 يوماً في طي صفحة استمرت نحو ثلاثة عقود من الاحتلال والعدوان الأرمني ، حيث تمكن الجيش الأذربيجاني من تحرير مساحات واسعة من أراضيه المحتلة، وفرض التنفيذ العملي لقرارات مجلس الأمن الدولي لعام 1993 التي طالبت بالانسحاب الفوري وغير المشروط للقوات المحتلة.

ونتيجة للحرب، تم توقيع البيان الثلاثي المؤرخ في 10 نوفمبر 2020، وتوقفت العمليات العسكرية. وأدى انتصار أذربيجان إلى تغيير الحقائق السياسية والأمنية القائمة في المنطقة.ومع إنهاء الاحتلال، ظهرت إلى الواجهة نتائج الأنشطة التي مارسها المحتل ونُفذت على مدى سنوات طويلة في الأراضي المحررة. فقد برزت قضايا تتعلق بالتعدين الواسع النطاق، وتدمير المناطق السكنية والبنية التحتية، وإلحاق الضرر بالتراث التاريخي والثقافي والديني، فضلاً عن استخدام الموارد الطبيعية.

- نتائج الحرب الهامة التي حققها هذا النصر التاريخي :

لم تقتصر النتائج التي حققتها أذربيجان على المجال العسكري فقط ، بل تمخضت أيضاً عن نتائج سياسية ودبلوماسية واجتماعية. وأدت استعادة وحدة أراضي البلاد إلى خلق واقع سياسي جديد في المنطقة. وبعد الإجراءات المحلية لمكافحة الإرهاب التي نُفذت في سبتمبر 2023، تم ضمان استعادة سيادة أذربيجان لكامل أراضيها.

وبعد الحرب ، أعربت أذربيجان عن استعدادها لتدشين حقبة جديدة في علاقاتها مع أرمينيا، عارضةً مبادئ أساسها الاعتراف المتبادل بالسيادة وسلامة الأراضي الإقليمية وتوجت تلك المساعي بمحطة فارقة في 8 أغسطس 2025 بواشنطن، حيث جرى توقيع إعلان مشترك بين البلدين برعاية وحضور أمريكي كشاهد، فضلاً عن التوقيع بالأحرف الأولى على نص «اتفاقية إقامة السلام والعلاقات بين أذربيجان وأرمينيا». وتُعد هذه الخطوات منعطفاً حاسماً نحو تطبيع العلاقات وطي صفحة صراع طال أمده. ولا تقتصر ثمار إرساء السلام والاستقرار المستدامين في جنوب القوقاز على خلق فرص واعدة لدول المنطقة فحسب، بل تمتد لتوسيع أفاق التعاون مع أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، في ظل توجه أذربيجاني نحو تعزيز الشراكات الإقليمية استناداً إلى الأمن، والبراغماتية، والثقة المتبادلة.

مرحلة جديدة – العودة الكبرى

شكّلت مرحلة ما بعد الحرب منطلقاً لعصر جديد في مسيرة أذربيجان التنموية، حيث تصدرت أولويات الدولة لمهمة إعادة إعمار الأراضي المحررة وتأمين عودة كريمة وآمنة لمئات الآلاف من النازحين قسراً. وتُنفذ حاليا في إقليمي قره باغ وزانغيزور الشرقية مشاريع إعمار واسعة النطاق وفق أحدث المعايير؛ فمن خلال برنامج «العودة الكبرى»، استقر بالفعل أكثر من 90 ألف مواطن للعيش والعمل وتلقي التعليم في هذه المناطق. ودون إضاعة للوقت، شرعت أذربيجان في تحويل المناطق التي طالها الإهمال خلال فترة الاحتلال إلى مدن وقرى ذكية متكاملة، وشيّد شبكة متطورة من الطرق والمطارات، واستصلاح الأراضي الزراعية. كما تضمنت هذه الجهود الحثيثة ترميم المعالم التاريخية، وإعادة بناء الحضر، واستحداث خطوط نقل حديثة تدعم نهضة المنطقة بأكملها.

النمو الاقتصادي ومسار الطاقة

يمثل الاقتصاد القوي الدعامة الأساسية لمشاريع "العودة الكبرى" وجهود الإعمار المتواصلة. فقد نجحت أذربيجان -بفضل استراتيجيتها الناجحة في قطاع الطاقة، ومشاركاتها الإقليمية والدولية الفاعلة، وجهود تنويع اقتصادها- في توسيع آفاقها المالية. وإلى جانب الطفرة المحققة في الصادرات غير النفطية مؤخراً، تشهد البلاد إطلاق مبادرات نوعية متجددة للنهوض بقطاعات حيوية كالزراعة، والسياحة، والصناعة.

من المخطط له أن تشكل المناطق الاقتصادية المستحدثة في الأراضي المحررة قاطرة رئيسية للتنمية الإقليمية مستقبلاً؛ حيث يتم تمويل مشاريع إعادة الإعمار الضخمة بالاعتماد المزدوج على الموارد المحلية ودعم المؤسسات المالية الدولية.وإلى جانب دورها المحوري في أسواق الطاقة التقليدية، تضطلع أذربيجان بدور فاعل في مشاريع الطاقة المتجددة دولياً ومحلياً؛ إذ تشهد منطقتا قره باغ وزانغيزور الشرقية تنفيذ مبادرات نوعية لاستثمار مصادر الطاقة النظيفة، وبناء بنى تحتية ذكية، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، مع استهداف رفع حصة الطاقة المتجددة بشكل ملحوظ في هيكل إنتاج الطاقة بحلول عام 2030.

تمتد إمدادات الغاز الطبيعي الأذربيجاني لتشمل 16 دولة حول العالم، ممثلةً ركيزة أساسية لا تقتصر فوائدها على دعم أمن الطاقة المحلي فحسب، بل تمتد ايضا لتوطيد التعاون الإقليمي وتعزيز الثقل الاستراتيجي لأذربيجان في أسواق الطاقة الأوروبية.وعلى صعيد آخر، يمنح الموقع الجغرافي الفريد لأذربيجان ميزة تفضيلية لقيادة حركة النقل والتجارة الإقليمية، إذ يتجسد في النمو المتصاعد لحجم الشحنات عبر "الممر الأوسط". علاوة على ذلك، يُنتظر أن يفتح إنجاز مشاريع "ممر زنغزور" آفاقاً غير مسبوقة لتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية وإثراء الترابط الاقتصادي في المنطقة.

كما وتسهم البنية التحتية المتطورة في أذربيجان، والتي تضم ميناء باكو التجاري البحري الدولي ومنطقة آلات الاقتصادية الحرة، وشكبة السكك الحديدية الحديثة، في تعزيز قدرة البلاد على الوصول إلى الأسواق العالمية بكفاءة عالية. كما توفر المناطق الاقتصادية الخاصة المدعومة بشبكات نقل وبنية رقمية متقدمة فرصاً واعدة للاستثمار في قطاعات الإنتاج، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة، والخدمات الرقمية، إلى جانب الزراعة ذات القيمة المضافة العالية.

من المرحلة التاريخية إلى المستقبل

شكّلت الحرب الوطنية التي انطلقت في 27 سبتمبر حجر الأساس لعصر جديد في تاريخ أذربيجان الحديث؛ إذ تكللت باستعادة وحدة الأراضي وتكريس السيادة، لتتلوها مسيرة رائدة في إعادة الإعمار والعودة الكبرى. ولم يعد هذا اليوم مجرد محطة لتذكر وقائع الماضي، بل بات رمزاً خالداً لتكريم شهداء الوطن الأبرار الذين سطروا بدمائهم ملاحم الاستقلال والسيادة. وفي الوقت ذاته، يمثّل هذا التاريخ مسؤولية وطنية متجددة لصون المكتسبات، ومواصلة بناء المستقبل، ودعم جهود السلام والتنمية، ضماناً لأذربيجان أكثر أمناً وازدهاراً للأجيال القادمة..